عبد الرحمن عبد العزيز يكتب.. عودة “المستشار الفاشل”.. هل نكرر كوارث الخطة البلجيكية؟

مع إعلان الاتحاد السعودي لكرة القدم عن إطلاق مشروع جديد لتطوير أكاديميات الأندية بالتعاون مع إحدى الشركات البلجيكية، انتابت الشارع الرياضي حالة من “الدجافو” السلبية. يبدو أن الانبهار القديم بالصعود الصاروخي لـ “الجيل الذهبي” البلجيكي—الذي أمتع العالم بنجوم مثل هازارد، لوكاكو، وكيفين دي بروين—ما زال يلقي بظلاله، ليعود المنادون بـ “الوصفة البلجيكية” مجدداً كأنهم يقدمون الترياق الأوحد لبناء الفئات السنية.

لكن قبل أن ننساق وراء العناوين البراقة، تقبع حقيقة مرّة يتجاهلها البعض: الكرة السعودية خاضت بالفعل هذه المغامرة من قبل، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً وهدراً مالياً وإدارياً بامتياز!

التطوير على الورق.. واستعمار “الاستشارات”
صُنفت فترة المدير الفني البلجيكي يان فان وينكل كواحدة من أكبر سقطات “التطوير النظري”. جاء الرجل بصلاحيات مطلقة شملت الهيكلة الفنية، المناهج، الأكاديميات، ورسم خارطة الطريق حتى مونديال 2022.

ورغم توقيع الاتفاقيات الفخمة ورسم أهداف براقة—من مضاعفة أعداد المدربين الوطنيين إلى تطوير منافسات البراعم والوصول لمراكز متقدمة عالمياً—إلا أن الواقع كشف الحقيقة العارية: استيراد النماذج الأوروبية دون مراعاة بيئة الكرة المحلية هو استنزاف منظم للموارد.

“أكبر كذبة يروجها بعض المستشارين الأجانب هي إقناعنا بأن تجربة أوروبية مستنسخة ستصنع المعجزة فوراً مع اللاعب والمدرب السعودي.. فقط لضمان بقائهم أطول فترة ممكنة برواتب خيالية!”

وهم “الكم والكيف”.. هل التدريب صناعة أم موهبة؟
ارتكز المشروع السالف على شعار: “تطوير الكرة يبدأ من بوابة المدرب المحلي”، واستشهدوا بأسماء نجحت بالفعل مثل سعد الشهري والعطوي.

وهنا تكمن المغالطة! فالشهري والعطوي هما موهبتان صُقلتا بالعمل الشاق والتطوير الذاتي قبل أن تطأ قدم هذا المشروع أرض المملكة. المشكلة الحقيقية تمثلت في إغراق الساحة بـ “الكم” عبر إقامة عشرات الدورات، مقابل إغفال تام لـ “الكيف” وانتقاء المدرب الموهوب.

التدريب موهبة وممارسة؛ وليس كل لاعب سابق قادراً على أن يتحول إلى مدرب ناجح لمجرد ضخ الملايين في تدريبه. وتاريخنا الرياضي يشهد أن أعظم نجوم المملكة تم اكتشافهم على يد قامات تدريبية كبرى أمثال “بروشتش” و”زاغالو”، وليس عبر المناهج والأكاديميات الجافة.

السقوط المدوي.. كواليس الإقالة والصدام
لم تطل الأوهام حتى اصطدمت الخطة بالواقع الميداني، لتنتهي الحقبة بإقالة مدوية تمثلت كواليسها في أمور عديدة نشرتها كل الصحف.

ويا قلب لا تحزن!

بعد كل تلك السنين التي أُهدرت، يحق للشارع الرياضي أن يتساءل بمرارة وهو يرى الشراكة البلجيكية تعود من جديد من بوابة أكاديميات الأندية:

ماذا قدمت التجربة البلجيكية الأولى للكرة السعودية حقيقةً؟

هل اكتشفت تلك الدورات موهبة استثنائية واحدة للوطن؟

المأساة ليست في تجربة فاشلة طُويت صفحتها في الماضي.. المأساة هي أن نرى الشغف بالتجربة ذاتها يعود مجدداً بنفس الشعارات، وكأننا نرفض أن نتعلم من دروس التاريخ!

ويا قلب.. لا تحزن!

45