الحميدي يكتب: بوصلة التطوير الكروي بين بلجيكا وإنجلترا.. من الأصح؟؟

بوصلة التطوير المقلوبة.. نحو هوية كروية مستدامة
شهدت الفترة الأخيرة حراكاً استراتيجياً لافتاً في تطوير قطاعات الفئات السنية وبناء الأكاديميات الكروية، حيث برز توجه واعد نحو الاستفادة من الخبرات العالمية. وفي هذا السياق، لفت الانتباه التباين بين توجه الكرة السعودية نحو اعتماد المنهجيات البلجيكية، مقابل توجهات أخرى نحو النموذج الإنجليزي. هذا التباين لا ينبغي أن يُقرا من زاوية النقد العابر، بل بمنظور “التصحيح المؤسسي” والبحث عن النموذج الأنسب الذي يخدم خصائص اللاعب المحلي ويضمن استدامة تفوق منتخباتنا الوطنية.
حين نتأمل التجربة البلجيكية، نجد أنها تميزت تاريخياً برعاية المهارات الفردية الدقيقة في المساحات الضيقة وسرعة اتخاذ القرار. غير أن القراءة الموضوعية تظهر أن النجاح البارز لهذا النموذج اقترن بخصائص ديموغرافية وبيئية فريدة. ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الفنية؛ فاستنساخ أي قالب أجنبي بحذافيره دون تكييفه مع البيئة المحلية قد يحيد بنا عن الهدف المنشود، خصوصاً وأن طاقات اللاعب السعودي وميزاته الفطرية تستحق إطارا تدريبياً يُعظم من مكاسبها.
في المقابل، تقدم الأكاديميات الإنجليزية عبر برامج الأداء النخبوي نموذجاً يرتكز على الشدة البدنية العالية، الضغط العكسي المنظم، والبناء المؤسسي المستدام. هذا النهج أثبت كفاءة عالية في صقل القدرات البدنية والتكتيكية للاعب المحلي وجعلها تتناغم مع نسق المنافسات الكبرى. إن دراسة هذه النماذج تمنحنا فرصة ذهبية لدمج الأفضل منها: الاستفادة من دقة المهارات البلجيكية وتطويعها، ولكن ضمن قالب يرتكز على الصلابة، والجاهزية البدنية، والانضباط التكتيكي القريب من روح الكرة الأوروبية الواعية.
إن صناعة المستقبل الكروي لا تقوم على نسخ الأسماء أو استيراد الحلول الجاهزة، بل تبدأ من تطويع الأفضل لخدمة الهوية الوطنية. إننا بحاجة عاجلة اليوم إلى بناء “منظومة سعودية خالصة” تستثمر الفطرة المهارية للاعبنا، وتدعمها بأسس علمية وبدنية مستدامة، لتكون الأكاديميات جسراً حقيقياً نحو صناعة أجيال ذهبية تنافس بقوة وثبات على الخارطة العالمية.

47