
ليست خسارة الأهلي أمام صنداونز في نهائي القارة نهاية العالم، فهذه هي كرة القدم، يوم لك ويوم عليك، والبطولات لا تُحسم بالأمنيات، وإنما بما تقدمه داخل الملعب. لكن بعض الخسارات تنتهي مع صافرة الحكم، وبعضها الآخر يفتح ملفات لا يجوز إغلاقها بالمواساة والتبرير. وخسارة الأهلي هذه المرة من النوع الثاني، لأنها لم تكن مجرد كأس ضاعت، وإنما كشفت أخطاء فنية وإدارية تراكمت حتى وصلت بالفريق إلى هذه اللحظة المؤلمة.
لذلك لم يعد السؤال: لماذا خسر الأهلي النهائي؟ بل السؤال الأهم: كيف وصل الأهلي إلى هذه الحالة؟ ومن المسؤول عن القرارات التي أوصلته إليها؟
الأهلي لم يكن أقل من صنداونز في المباراة، وكانت لديه فرص حقيقية كان يمكن أن تنهي النهائي مبكرًا، لكن رعونة ترينكاو في التعامل مع الفرص المحققة، وتعطيل اللعب، وغياب الجدية في لحظات لا تحتمل التهاون، كلها عوامل جعلت الفريق يدفع ثمنًا باهظًا لفرص كان يمكن أن تغير وجه المباراة. وفي مثل هذه النهائيات لا توجد رفاهية الانتظار؛ فالفرصة التي تضيع قد لا تعود، والخطأ الذي يؤجل تصحيحه قد يتحول إلى بطولة ضائعة.
ثم جاءت التغييرات في الشوط الثاني لتزيد علامات الاستفهام. إدخال جالينهو في خانة ليست مكانه، ثم الدفع بأرتيم في وقت كان الفريق يحتاج فيه إلى حلول أكثر فاعلية، وخروج سعيد باعطية الذي كان يؤدي دوره باجتهاد، عدم الزج باللاعب نايف مسعود وابو الشامات ، مع العلم بأن الجهاز الفني طالب بالتغيرات المهمة لكل من ذكرنا مع بدء الشوط الثاني ولكن لاحياة لمن تنادي. كلها قرارات أثرت في توازن الأهلي ومنحت صنداونز مساحة أكبر للتحرك. أما نزول أرتيم في تلك اللحظة الحاسمة، فلا أجد ما أقوله سوى: لا تعليق!
ولم تتوقف الأخطاء عند ذلك، فقد غابت الرقابة الحاسمة على نونو سانتوس، واستطاع تسجيل هدفين، كان ثانيهما قاتلًا في الدقائق الأخيرة، لينهي حلم الأهلي في التتويج. ومع ذلك، فإن تحميل اللاعبين وحدهم مسؤولية الخسارة لن يكون منصفًا؛ لأن المشكلة أكبر من لاعب أهدر فرصة، ومدافع لم يحسن التغطية، ومدرب أخطأ في التبديلات.
المشكلة بدأت قبل النهائي.
بدأت عندما تغيرت هوية الفريق وتبدل الأسلوب الذي اعتاده اللاعبون، فبعد رحيل ماتياس ياسله، الذي ترك للأهلي شخصية فنية واضحة، جاء مارينو بوسيتش بفكر مختلف، وكان من الطبيعي أن يحتاج هذا التغيير إلى أدوات ولاعبين قادرين على تنفيذ متطلباته. وهنا يبرز السؤال: هل تم توفير الأدوات التي يحتاجها المدرب الجديد؟ وهل كانت الاختيارات في سوق الانتقالات بحجم طموح الأهلي؟
النتائج السابقة للنهائي تجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا. ثلاث خسائر في الدوري المحلي، وتعادل مع بختاكور في النخبة، ثم ضياع بطولة قارية، ليست مجرد نتائج متفرقة يمكن تجاوزها بكلمة «ظروف». وكما يقول المثل: ليالي العيد تبان من عصاريها. وعندما تتكرر المؤشرات وتتراكم الأخطاء، يصبح الصمت عن مراجعتها مشكلة بحد ذاته.
ثم نصل إلى ملف الانتقالات، وهو الملف الذي لا يمكن القفز فوقه. الجماهير الأهلاوية كانت تنتظر أسماء مؤثرة تعوض رحيل لاعبين بحجم رياض محرز وفرانك كيسيه، وتمنح الفريق قوة إضافية تمكنه من المنافسة على البطولات المحلية والقارية. لكنها فوجئت بتعاقدات لم تقدم حتى الآن الإضافة التي كانت تنتظرها، فترينكاو لم يظهر بالمستوى المأمول، وأرتيم لم يكن الحل الذي يبحث عنه الفريق، وأبو بكر سيدي لم يمنح الأهلي ما كان منتظرًا منه، بينما لم يستطع محمد عبدالرحمن استعادة المستوى الذي يجعله إضافة حقيقية للفريق.
وهنا يجب أن تكون الكلمة واضحة: الأهلي لا يستطيع أن ينافس على البطولات بأدوات أقل من حجم المنافسة.
لا يمكن أن نطالب فريقًا بحصد البطولات، ثم لا نوفر له العناصر القادرة على صناعة الفارق، وننتظر منه بعد ذلك أن يصنع المعجزات. الأهلي ليس ناديًا عابرًا حتى تمر عليه مثل هذه الأخطاء دون حساب، فهو نادٍ حمل اسم الوطن في المحافل القارية، ووصل إلى أربع نهائيات قارية، وحقق لقبين آسيويين، وأصبح بطل النخبتين، ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون بحجم تاريخه وطموح جماهيره.
قلعة الكؤوس لا تسقط في يوم واحد، لكنها تبدأ بالسقوط عندما تُترك أعمدتها تتآكل واحدًا تلو الآخر.
وهنا يجب أن نخرج من عباءة الهزيمة، وأن نتوقف عن اختزال ما يحدث في سوء الحظ أو في كرة لم تدخل المرمى. نعم، كرة القدم فوز وخسارة، لكن كرة القدم أيضًا تخطيط وإدارة واختيار وتعاقدات وقرارات فنية. والخسارة في النهائي يمكن تجاوزها، أما تكرار الأخطاء نفسها دون مراجعة فهو الخطر الحقيقي.
لقد اقترب البعض من القلعة، وخلخل قواعدها، وكسر بعض أعمدتها، بينما ظل المشهد ينتظر من يتدخل. تلقى الأهلي ضربات من أكثر من اتجاه، وأصبح بحاجة إلى وقفة حقيقية تعيد ترتيب البيت من الداخل، لا إلى عبارات مواساة تنتهي بانتهاء المناسبة.
أين القرار؟ وأين المراجعة؟ وأين المسؤول الذي يقول: كفى؟
لا أحد يطالب بقرارات انفعالية بسبب خسارة بطولة، ولا أحد يختصر الحل في إقالة مدرب أو استبعاد لاعب، لكن المطلوب مراجعة شاملة وصريحة لكل ما حدث: من اختيار الجهاز الفني، إلى التعاقدات، إلى مستوى اللاعبين، إلى إدارة المباريات، إلى الصلاحيات والمسؤوليات، والأهم: ما هو المشروع الذي سيقود الأهلي في المرحلة المقبلة؟
الأهلي لا يحتاج إلى من يربت على كتفه بعد الخسارة ويقول: «القادم أفضل»، وإنما يحتاج إلى من يجعل القادم أفضل بالفعل. لا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى قرارات واضحة. لا يحتاج إلى أعذار، بل إلى عمل يعيد للفريق توازنه وقوته وشخصيته.
فهذا النادي الذي شرف الوطن، ووصل إلى أربع نهائيات قارية، وحقق بطولتين آسيويتين، لا يستحق أن يكون مشروعًا مؤجلًا أو ملفًا مفتوحًا بلا نهاية. والجماهير التي وقفت خلفه في الانتصارات والهزائم لا تطلب المستحيل؛ إنها تريد فريقًا يملك أدوات المنافسة، وإدارة تدرك حجم المسؤولية، وقرارات تليق باسم الأهلي.
فهل هذا هو جزاء سنمار لنادٍ حمل اسم الوطن، ووصل إلى نهائيات القارة، وحقق المجد الآسيوي؟
الخسارة لا تعيب الأهلي، فالخسارة جزء من كرة القدم، لكن العيب أن نخسر الدرس معها. والبطولة التي ضاعت يمكن أن تعود، أما إذا استمرت الأخطاء وتكرر المشهد، فقد نخسر أكثر من بطولة.
يا أصحاب القرار، لا تنتظروا سقوط القلعة حتى تبحثوا عن أعمدتها.
تحركوا الآن، راجعوا الحسابات، صححوا المسار، وأعيدوا بناء الفريق بما يليق باسمه وتاريخه. فالأهلي لا يريد شفقة، ولا يريد أعذارًا، ولا يريد وعودًا؛ الأهلي يريد رجالًا يعيدون بناء ما كُسر.
وإن كانت أعمدة القلعة قد كُسرت، فإن المسؤولية اليوم ليست الوقوف أمام أنقاضها، وإنما إعادة بنائها قبل أن يسقط السقف على الجميع.
فالأهلي أكبر من خسارة نهائي، وأكبر من أخطاء أشخاص، وأكبر من أن يُترك لمصيره
















