عبد الرحمن الحميدي يكتب.. الشطرنج النصراوي

شطرنج كروي في مرسول بارك: كيف يُعيد النصر تعريف “الاستحواذ الدفاعي” مع مدربه الجديد وصفقة كوستا؟تختزل كرة القدم الحديثة مفاهيمها في كلمة واحدة: التحكم.

وفي أروقة نادي النصر، لم يعد الاستحواذ مجرد استعراض مهارات أو تحسين لأرقام التمرير، بل أضحى فلسفة تكتيكية صلبة يُبنى عليها مشروع الفريق مع مدربه الجديد، بدعمٍ مباشر من الصفقات النوعية وعلى رأسها المنضم حديثاً كوستا.

من أسطورة هولندا إلى نهائي المونديال: جذور الفكر التموضعيقد يظن المتابع أن تكتيك “الاستحواذ” وليد الساعة، خاصة بعد المشهد التكتيكي لنهائي كأس العالم 2026 الذي حسمت فيه إسبانيا صراع المواجهة أمام الأرجنتين.

إلا أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن جذور هذا الفكر تعود إلى سبعينيات القرن الماضي مع أسلوب “الكرة الشاملة” الذي ابتكره الهولنديون.تحول هذا الأسلوب عبر العقود إلى “لعب تموضعي” مبرمج يُنفذ بدقة متناهية، يدرك فيه اللاعبون كافة الاحتمالات والتفاصيل داخل المستطيل الأخضر.

وهي الفلسفة التي يسعى مدرب النصر الجديد لغرسها في تشكيلته، لتحويل الملعب إلى رقعة شطرنج يكون النصر فيها هو من يمسك بنقلاتها.

“الدفاع بالكرة”: الاستحواذ كدرع وسلاحيرتكز المشهد الفني الجديد في النصر على مفهوم “الاستحواذ الدفاعي”؛ فكرة القدم الحديثة تعلمنا أن الكرة عندما تكون في حوزة لاعبيك، فإنك تحرم الخصم تلقائياً من التفكير في الهجوم، وتجبره على الجري المتواصل خلفها، وهو ما يستنزف طاقته البدنية والنفسية.

الهدف ليس الحفاظ على الكرة لمجرد الحفاظ عليها، بل إدارة رتم المباراة وفق مقتضيات اللقاء؛ رفع النسق أو خفضه بحسب طبيعة المنافس، مما يجعل الاستحواذ وسيلة للسيطرة وخلق الفراغات، لا غاية استعراضية عقيمة.الهندسة التكتيكية: بين المأمن الدفاعي ومفاتيح اللعبلتطبيق هذه المنظومة، يعتمد الفكر الجديد على توازن ديناميكي دقيق؛ أسلوب يدافع بسبعة لاعبين ويتهاجم بستة، ويتطلب لياقة بدنية فائقة وانسجاماً عالياً:

* محور الارتكاز (القطب الأهم): هو العقل المدبر ورمز التوازن. يتولى قطع الكرات، إفساد مرتدات المنافس، وحماية حدود المنطقة دفاعياً، مع نقل الكرة بسلاسة وتوفير الزيادة العددية هجومياً.

* الأظهرة والتوازن التكتيكي: الواجب الأول للظهيرين دفاعي بالأساس، مع الصعود في الفرص المضمونة فقط. وتطبق المنظومة قاعدة “التبادل التكتيكي”؛ فصعود أحد الظهيرين يتبعه ثبات الآخر لمنع الثغرات، مع التركيز على الكرات العرضية والتمريرات الخاطفة خلف المدافعين.

* ثلاثي الوسط وصنّاع الفارق: يقع العبء الأكبر على خط الوسط لتبادل الأدوار دون ارتباك. هنا يبرز دور لاعبين بحجم كوستا والأوراق الرابحة على الأطراف، لتقديم الحلول الفردية، التمرير السريع، التسديد، والاختراق، ليشكلوا المحرك الحقيقي لإيقاع الفريق.

مرونة الأسلوب هي الفارقرغم أن هذا النهج التموضعي يمنح التفوق العددي ويسهم في حصد البطولات، إلا أنه يحمل عيوبه، وأبرزها الإجهاد البدني العالي وتعقد الأمور عند مواجهة منافس يطبق الأسلوب ذاته.

يبقى الرهان الحقيقي لمدرب النصر الجديد في تجنب “الاستحواذ السلبي” الذي يُعد أولى خطوات الخسارة، والعمل بمرونة تكتيكية تُستخرج أفضل ما لدى عناصر الفريق، ليتحول النصر مع هذا الأسلوب إلى منظومة تُسير المباريات بذكاء لا بإجهاد.

45