
بينما تُنفق ملايين الدولارات على برامج تطوير الرياضيين وتدريبهم، تظهر الفروق الجوهرية بين “الموهبة الفطرية” و”الموهبة المصنوعة” لتعيد طرح الإشكال بحدة. فالموهبة الفطرية لا تحتاج إلى عناء شاق أو جهد أسطوري لتبرز؛ وكل ما تتطلبه هو توجيه بسيط وعين خبيرة تكتشفها في وقت مبكر لتستخرج منها أقصى فائدة. في المقابل، تعتمد “الموهبة المصنوعة” على تدريب وتعليم مستمرين بجهد شاق وتكلفة مالية باهظة، دون أن تصل بالضرورة إلى ذات مستوى الابتكار والإبداع.
فبينما تتميز الموهبة الفطرية بالقدرة على التكيف في أكثر من تخصص والاستمرار مهما كانت الظروف، تظل الموهبة المصنوعة محصورة في مجال واحد، وتتوقف بمجرد توقف برامج التدريب والتعليم. ورغم أن الموهبة المصنوعة قد تتفوق في الاستمرارية البدنية داخل الملاعب، فإن الموهبة الفطرية تبسط هيمنتها عندما يتعلق الأمر بحصد البطولات وتحقيق الإنجازات، وإضافة اللمسة الإبداعية التي تحسن أداء أي فريق.
لكن الموهبة الفطرية لا تعني الكمال؛ فهي قد تعاني أحياناً ضعفاً في البنية الجسدية، وتحتاج إلى مواهب أخرى تكملها، وإذا تعرضت للإهمال فقد تنتهي قبل أن تبدأ. وهنا يكمن الجوهر: كلاهما يحتاج إلى تخطيط جيد للتطوير، إلا أن الفارق أن الموهبة الفطرية تفرض نفسها بمجرد إتاحة الفرصة وتنجح مع أي مدرب، بينما تواجه الموهبة المصنوعة صعوبات شاقة في التأقلم.
إن النتيجة الجلية التي يجب الاعتراف بها هي أنه لا يمكن صناعة لاعب من العدم بلا موهبة أساسية؛ فالمطلوب حقاً هو موهبة فطرية تمتلك صفات خاصة، تُعاد صياغتها وتطويرها وفق خطط واستراتيجيات مكتوبة ومحددة زمنياً.
وبنظرة تحليلية للسنوات الماضية، نجد أن العديد من مشاريع الابتعاث والاحتراف لم تحقق النجاح المأمول لأنها اعتمدت على آليات مكررة. وإن إعادة إطلاق مشاريع بنفس الأفكار والخطط القديمة سينتهي بلا شك إلى النتيجة ذاتها: الفشل. لقد حان الوقت لتغيير نمط التفكير، والابتعاد عن استنساخ البرامج التقليدية، والبدء في ابتكار أفكار جديدة تواكب التطور، وتعتمد على عيون وعقول خبيرة قادرة على اكتشاف الجوهر الحقيقي للموهبة قبل البدء في صناعتها.
















