عبد الرحمن عبد العزيز يكتب.. مدير الكرة: يُعاقب او يُعالج!


تعيش الرياضة السعودية والعربية تحولاً تاريخياً شاملاً يتمثل في تطوير البنية التحتية واستقطاب ألمع الأسماء والكوادر العالمية. إلا أن هذا التطور الاستثماري الهائل يصطدم أحياناً بـ “فجوة إدارية” تُضعف النتائج المرجوة داخل المستطيل الأخضر.

تتمثل المشكلة الجوهرية في معظم منظوماتنا الكروية في تطبيق مفهوم “الاحتراف” بحذافيره على اللاعب، مع إغفاله تاماً في البيئة الإدارية والتنفيذية المحيطة به. وحين يتحول الإداري إلى دور “القاضي” الذي يلوّح بالاستبعاد لمجرد فرض السلطة، أو يتصرف بأسلوب “الشرطي” الذي يعتمد على تتبع الأخطاء وزراعة الشكوك، فإن المنظومة تتفكك حتماً، مهما بلغت القيمة السوقية للأسماء المتواجدة في الملعب.

النجاح الرياضي اليوم لا يُبنى بالعقوبات الاستعراضية، بل بتبني فلسفة إدارية ونفسية قائمة على أربعة أركان أساسية:

  1. إدارة الأزمات بفلسفة “الاحتواء” لا “الإبعاد”
    يحتاج اللاعب الشاب والمحترف – بحكم خصوصية البيئة العربية – إلى مساحة من الاحتواء والدعم النفسي قبل المساءلة والعقاب. فالإدارة الناجحة ليست استعراضاً للقوة أو ساحة لتصفية الحسابات، بل هي قدرة استثنائية على كسب اللاعب وحمايته في لحظات تعثره وأخطائه.

ولنا في تجربة المدرب الأرجنتيني خورخي سامباولي مع منتخب تشيلي في بطولة “كوبا أمريكا 2015” درسٌ ناصع في الذكاء الإداري؛ فعندما ارتكب نجم الفريق أرتورو فيدال حادث سير شهيرًا وهو تحت تأثير الكحول في منتصف البطولة، لم يندفع سامباولي لإرضاء الضغط الإعلامي بقرار الإبعاد الفوري. وبدلاً من تدمير القيمة الفنية للفريق، وضع اللاعب أمام مسؤوليته الوطنية والأخلاقية، واحتواه داخل المجموعة، ليحول تلك الأزمة إلى وقود ذهني وحافز ميداني انتهى بتتويج تشيلي باللقب القاري لأول مرة في تاريخها.

إن إبعاد اللاعبين واستسهال الاستغناء عنهم عند أول هفوة يُمثل خسارة مباشرة للمنتخب والمنظومة كاملة. والإداري والمدرب الناجح هو من يُصلح السلوك ويستثمر في العنصر البشري، لا من يقطع الروابط فور حدوث الخلل.

  1. معايير جلب الأجانب: القدوة القيادية وقوة العقلية
    لم يعد المعيار في اختيار العناصر الأجنبية في دورينا محصوراً في القيمة الفنية أو السمعة الإعلامية فحسب، بل يمتد ليشمل “الشخصية العقلية” والدور القيادي داخل غرفة الملابس.

يجب أن يكون المحترف الأجنبي مربياً رياضياً وقائداً ميدانياً للاعب المحلي؛ ينقل له سلوكيات الانضباط، وطريقة التعامل مع الضغوط الجماهيرية، وإدارة الاستشفاء والتغذية، والصمود الذهني أمام التعثرات.

وهنا يتجلى نموذج محمد صلاح مع ليفربول كعنوان عريض للاحتراف النموذجي: تفرغ تام للعمل، مرونة ذهنية عالية في امتصاص ضغوط الإعلام، وتركيز مطلق على الأداء الميداني. هذا هو المفهوم الحقيقي للاحتراف: (ممارسة العمل بانتظام وتفرغ تام لتحقيق الهدف المنشود).

  1. تطهير بيئة العمل: إنهاء ثقافة “نقل الكلام”
    يقتضي الاحتراف الإداري إدارة البيئة الرياضية بمنهجية مؤسسية قائمة على الشفافية المطلقة، وقطع الطريق على الممارسات الجانبية ونقل الشاردة والوارة بين أروقة النادي.

فوجود أشخاص داخل الطاقم ينقلون الكلام بين اللاعبين أو بين الجهاز الفني والإدارة يُصيب المنظومة بـ “التسمم النفسي”، فتسود حالة من الخوف والنفاق والحذر المفرط. وإذا فقد اللاعب الأمان النفسي والشعور بالثقة داخل بيئته، تراجعت روح المبادرة لديه واختفى إبداعه التكتيكي.

الحل يكمن في بناء قنوات اتصال مباشرة وصريحة بين المدرب واللاعب والإدارة، مع التزام المدرب بالحذر وعدم إطلاق العنان للسان؛ فزمن الثقة المفرطة في غير محلها قد ولى، والثقة الحقيقية تُبنى على الالتزام والأداء داخل المستطيل الأخضر فقط.

  1. المرونة القيادية: الهدف هو البطولة لا “فرض الأنا”
    يتعامل المدرب والإداري مع تركيبات بشرية متباينة في التفكير والتقبل ودوافع الحماس. القيادة الحقيقية لا تعني إجبار 25 لاعباً على التفكير والتصرف بالطريقة الخاصة التي يحبها المسؤول شخصياً، بل تعني تطويع أساليب التعامل لتفجير أفضل ما لدى كل لاعب على حدة.

الهدف الأسمى لكل منظومة رياضية هو تحقيق المنجز ورفع الكؤوس، وليس صياغة سلوكيات اللاعبين وفق أهواء وشخصية القيادي.

خاتمة
تستستثمر الكرة السعودية اليوم إمكانات ضخمة لصناعة بيئة رياضية عالمية، ولكن هذا المشهد لا يمكن أن يكتمل إلا برفع مستوى “احترافية الكادر الإداري”، وإحلال ثقافة الذكاء النفسي والاحتواء محل عقليّة السلطوية والعقاب. فالأبطال لا يُصنعون في بيئات الترهيب، بل في بيئات الاحتواء والقيادة الحكيمة.

45