محمد بن داخل الحربي يكتب.. صفقات بمليارات.. وهوية صفر

التحول الذي حدث في الكرة السعودية خلال العامين الأخيرين صادم حتى للأوروبيين. رونالدو وبنزيما ونيمار ومحرز وبونو أسماء كانت حكراً على دوري الأبطال صارت تلعب في جدة والرياض. امتلأت الملاعب وقفزت المشاهدات ودخل الدوري السعودي قائمة أفضل 10 دوريات الأكثر متابعة في العالم.

لكن اسأل أي مشجع في مدريد أو لندن أو بوينس آيرس: ما شعار النصر؟ ما ألوان الاتحاد؟ ما قصة الهلال؟ الجواب غالباً سيكون الصمت.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية. اشترينا اللاعبين ولم نشترِ الهوية.

أولاً: اشترينا النجوم ولم نبنِ القصة
الأندية الكبرى ليست قوية بسبب ميسي أو هالاند فقط. ريال مدريد هو الملكي وتاريخ 14 بطولة. برشلونة هو أكثر من نادٍ. ليفربول هو لن تسير وحدك أبداً.

تبدأ العلامة التجارية بسؤال واحد: لماذا يشجعك طفل في البرازيل أو الهند حتى لو لم يلعب عندك نجم؟
أنديتنا تبيع من سيلعب معنا هذا الموسم. منتج استهلاكي ينتهي بانتهاء العقد. لا سرد تاريخي يُصدّر ولا فلسفة لعب ثابتة ولا طابع بصري متماسك يُعرف به النادي في كل منتج وقميص وإعلان.

ثانياً: التسويق ما زال محلياً في عصر عالمي
تابع حسابات الأندية الكبرى: محتوى بـ 12 لغة ووثائقيات على نتفليكس وجولات صيفية في 3 قارات ومتاجر في كل عاصمة وتعاون مع أزياء وموسيقى وألعاب.

أما أغلب أنديتنا فتخاطب الجمهور السعودي فقط. المحتوى مترجم حرفياً والمتجر الإلكتروني ضعيف ولا توجد قصة نادٍ تُباع خارج الملعب. جلب اللاعب العالمي المتابعين لكن النادي لم يقدم لهم سبباً للبقاء بعد رحيله.

ثالثاً: غياب الاستمرارية البصرية والثقافية
شعار مانشستر يونايتد أو بايرن لا يتغير كل موسم. الألوان والرسائل ذاتها منذ 50 سنة.

أما عندنا فتغيرت الشعارات والأطقم كل 3 أشهر وتغيرت الإدارات والمدارس الكروية. الجمهور المحلي متسامح لكن العالمي يبحث عن الثبات. لا تبني ولاءً لعلامة تتغير ملامحها كل صيف.

رابعاً: الملعب ليس كل شيء
الأندية العالمية تبيع أسلوب حياة. أياكس يبيع مدرسة المواهب. دورتموند يبيع جدار المشجعين. باريس يبيع الموضة والثقافة.

ماذا نبيع غير المباراة؟ أين الأكاديميات التي تصدر لاعبين للعالم؟ أين المتاحف؟ أين المحتوى الذي يحكي عن جدة والرياض والدمام بصوت النادي؟

كيف نبني العلامة التجارية؟

اختر هوية والتزم بها 10 سنوات
الهلال الزعيم والاتحاد العميد والنصر العالمي والأهلي الملكي. ألقاب قوية لكنها لم تتحول إلى منتجات وقصص عالمية. نحتاج إلى ترجمتها لأفلام وبودكاست وألعاب وتصاميم.

صدّر المدينة قبل اللاعب
برشلونة كتالونيا. ليفربول المدينة المينائية العمالية.
على الهلال والنصر تصدير الرياض. وعلى الاتحاد والأهلي تصدير جدة وتاريخها. اجعل الأجنبي يحب المدينة فيحب النادي.

استثمر في المحتوى لا في الإعلان فقط
وثائقي عن يوم في حياة مشجع اتحادي. سلسلة عن تاريخ ديربي الرياض. أكاديمية رقمية لتعليم الفنون السعودية عبر النادي. العلامة تُبنى بالقصص لا باللافتات.

المتجر العالمي
لا أحد يشتري قميصاً لاسم لاعب فقط. الناس تشتري رموزاً. نحتاج أطقماً تُعرض في باريس ولندن وتعاونات مع مصممين وتجربة شراء سهلة تشحن للعالم كله.

جلب التحول المالي لنا الضوء. لكن الضوء وحده لا يصنع علامة. تُبنى العلامة عندما يصبح النادي أكبر من لاعبيه ونتائجه وموسمه.

الفرصة تاريخية. العالم ينظر إلينا. لو بعنا أسماء فقط سنعود إلى نقطة الصفر بعد 5 سنوات. ولو بعنا هوية وقصة وانتماء سنرى بعد 10 سنوات طفلاً في إندونيسيا يرتدي شعار نادٍ سعودي وهو لا يعرف أي لاعب فيه فقط لأنه يحب القصة.

السؤال للأندية: هل تريدون أن تكونوا محطة عبور للنجوم أم وجهة يعيش لها الناس؟

46