عبد الرحمن عبد العزيز يكتب. فخ الـ 30 لاعباً: كيف تُحرق أجساد النجوم في “روشن” باسم الاحتراف؟

في كرة القدم الحديثة، يعتقد الكثيرون أن الخصم الأعتى داخل الملعب هو المنافس الذي يرتدي القميص المقابل، لكن الواقع يؤكد أن الخصم الحقيقي الذي ينهك أنديتنا اليوم هو التقويم وعقارب الساعة.

تتعالى الأصوات للمطالبة بجدولة أوروبية وضغط مباريات يضاهي الدوريات الكبرى، لكن هذه المقارنة تقع في فخ إسقاط التجربة دون استيراد التأسيس. إن المقارنة بالدوريات الكبرى في عدد المباريات ضغطٌ ظالم علمياً وفزيولوجياً؛ فاللاعب الأوروبي الذي يخوض 50 مباراة في الموسم برتم عالٍ، هو نتاج منظومة تأسيس بدأت منذ سن الثامنة، حيث بُنيت أليافه العضلية، وارتفعت سعة تحمله التراكمية، وتدرب ذهنياً على مواجهة المقصلة الجماهيرية والإعلامية.

في المقابل، يجد اللاعب المحلي نفسه أمام قفزة مفاجئة نحو رتم عالمي، وأجواء مناخية حارة ورطبة، وضغط جماهيري لا يرحم، دون أن يمر ببرامج الأحمال والصلابة النفسية المبكرة. النتيجة المباشرة لهذا الخلل هي سلسلة متصلة من الإجهاد المركب بدنياً وذهنياً ونفسياً، تُترجم في الميدان بكثرة الإصابات العضلية، وسقوط اللاعبين المتكرر، وتراجع زمن اللعب الفعلي والشدة العالية التي تبحث عنها الجماهير.

أين تكمن الأزمة الحقيقية؟

المشكلة لا تكمن فقط في كثرة المباريات، بل في تقليص خيارات المدربين وخنق القوائم. القرارات التشريعية التي ضيّقت حجم الفرق الأولى جعلت الأندية تخوض ماراثوناً شاقاً ببطارية شبه فارغة، وتتلخص نتائج ذلك في ثلاثة أبعاد رئيسية:

انخفاض جودة التدريب اليومي: المدرب يبني أفكاره التكتيكية في التمرين، وتقليص القائمة يمنعه من إجراء مناورات عالية الشدة (11 ضد 11) ببدلاء متمرسين، فيجد نفسه بين خيارين أحلاهما مر: إما إرهاق الأساسيين، أو خفض رتم التدريب.

غياب العمق البشري في المنافسات القارية: خوض بطولات آسيا والدوري بالتوازي يتطلب تدوير كوادره بنسبة 100%. الأندية بلا دكة جاهزة تدفع الثمن فوراً بمجرد غياب عنصرين أو ثلاثة بالإصابة أو البطاقات.

حماية الشبان من المقصلة الجماهيرية: الدفع بلاعب شاب غير مُتأسس في معمعة قارية أو أمام نجوم عالميين بضغوط إعلامية جارفة يؤدي إلى حرق موهبته مبكراً. الجمهور لا يتسامح مع أخطاء الرتم العالي، واللاعب الشاب يحتاج للتدرج والاحتكاك داخل قائمة متمرسة قبل إقحامه في محرقة المباريات.

الفجوة بين الواقع المحلي والتأسيس العالمي

البناء البدني والفسيولوجي: التأسيس في الدوريات الكبرى يعتمد على أحمال علمية وتغذية دقيقة من سن 8 إلى 16 سنة ترفع الجاهزية العضلية، بينما يعتمد الواقع المحلي الحالي على المهارة الفطرية مع تأخر برامج الأحمال التخصصية، مما يقلل تحمل العضلات.

التهيئة الذهنية والنفسية: تشهد الدوريات الكبرى تدريبات إعداد نفسي مستمرة لبناء المرونة والتعامل مع الضغوط، في حين يواجه اللاعب محلياً تعرضاً مباشراً لضغط الإعلام والجماهير، مما يسبب إجهاداً ذهنياً يفقده التركيز التكتيكي.

بيئة اللعب والتعافي: توفر الدوريات الكبرى أجواء معتدلة مع ثقافة احترافية ترفع وقت اللعب الفعلي دون توقفات، بينما يعاني الواقع المحلي من درجات حرارة ورطوبة عالية تزيد الجهد الفسيولوجي، وتوقفات كثيرة تكسر رتم المباراة.

الحل الجذري: خطوة ينتظرها الشارع الرياضي

إلى أن تكتمل مخرجات الأكاديميات الحديثة لدينا ويبدأ جيل جديد تأسس فيزيولوجياً وذهنياً منذ الصغر، فإن حماية المنتج الكروي وصحة اللاعبين تبدأ من تعديل التشريعات التنظيمية.

إن الخطوة الأولى والأهم التي يُنتظر أن يتخذها الاتحاد السعودي لكرة القدم ورابطة الدوري السعودي للمحترفين هي إعادة رفع قوائم الأندية إلى 35 لاعباً وفق ضوابط وسقوف مالية متوازنة، مع تفعيل القائمة المفتوحة (List B) للاعبي الفئات السنية. فتح السقف البشري يمنح المدربين مرونة التدوير، ويزيد منافسة المراكز في التدريب، ويحميك من ظاهرة تساقط النجوم، ليعود للدوري بريقه، وشدته، وزمن لعبه الفعلي.

45