
فاقد الشيء لا يعطيه.. قاعدة تربوية قبل أن تكون كروية، لكن يبدو أن بعض إدارات الأندية نسيتها وهي تضع مستقبل أبنائنا بين يدي مدرب لا يملك من التدريب إلا شاشة جوال ومقطع فيديو على اليوتيوب.
الظاهرة أصبحت مخجلة. مدرب فئات سنية – براعم وأشبال وناشئين – بلا شهادة حقيقية وبلا تاريخ كلاعب وبلا منهجية، يفتح اليوتيوب قبل التمرين بساعة، يحفظ تمرينين للمهارة وآخر للتكتيك، ثم يذهب ليطبقها على أطفال يظنون أنه خبير.
المشكلة ليست في مشاهدة اليوتيوب، فكل مدربي العالم يشاهدون ويتعلمون، المشكلة أنه لا يفقه ما يشاهد.
التمرين في الفيديو صممه خبير أوروبي لفئة عمرية محددة، لهدف محدد، بمساحة وتكرارات وتدرج بدني وذهني مدروس. يأتي مدربنا المبتدئ فينقل الشكل وينسى الجوهر. يطبق تمرينًا مركبًا ومعقدًا على فريق تحت 11 سنة كل ما يحتاجه هو الإحساس بالكرة وحب اللعبة. يصرخ ويوقف التمرين، لا يعرف كيف يصحح وقفة اللاعب ولا كيف يوجه قدمه ولا متى يتدخل ومتى يصمت، فيخرج اللاعبون بلا فائدة، بل بعادات خاطئة سيدفعون ثمنها في مستقبلهم.
الفئات السنية ليست حقل تجارب للمبتدئين. أخطاء الفريق الأول يمكن أن تصلحها بصفقة، أما النشء فما تزرعه اليوم تحصده بعد عشر سنوات. عندما تضع طفلًا في التاسعة أمام مدرب لا يتقن أبجديات التدريب، فأنت لا تظلمه فقط، أنت تقتل موهبته وشغفه وتدفعه لترك الكرة.
أي منطق يجعل النادي يدفع الملايين لمدرب الفريق الأول ويستكثر ثلاثة أو أربعة آلاف ريال لمدرب أكاديمي متخصص دارس لعلم نفس الطفل وبيولوجيا النمو والتدرج المهاري؟
إننا نرتكب جريمتين في آن واحد:
الأولى في حق الطفل، لأننا نعطيه قدوة فنية ضعيفة لا تستطيع أن تكون نموذجًا. فكيف سيتعلم التسليم والاستلام من مدرب لا يستطيع تنفيذها أمامه بشكل صحيح؟
الثانية في حق الوطن والكرة السعودية. كل خطط تطوير المواهب وبرامج الابتعاث ستنهار أمام مدرب فئات سنية يهدم في ساعة ما يبنيه المشروع الوطني في سنة.
والحل ليس مستحيلًا:
فرض رخصة تدريب إلزامية خاصة بالفئات السنية ومنع أي مدرب من العمل بدونها.
على إدارات الأندية أن تفهم أن الاستثمار الحقيقي ليس في مهاجم أجنبي، بل في مدرب براعم متخصص وصبور ومحب للأطفال.
وضع منهج تدريبي موحد لكل ناد يشرف عليه مدير فني خبير، وليس ترك الحبل على الغارب لكل مدرب يختار من اليوتيوب ما يشاء.
كرة القدم علم قبل أن تكون فيديو وتربية قبل أن تكون تكتيك.
ارحموا هذا النشء، فمن تضعونه اليوم أمامهم في الملعب سيقف أمامكم غدًا إما لاعبًا عظيمًا يدين لكم بالفضل أو شابًا ضائعًا يشكوكم إلى الله.
















