
ما حدث في دوري روشن خلال العامين الماضيين هو إعجاز تسويقي بكل المقاييس؛ حولنا المسابقة من دوري محلي إلى منتج عالمي. لكن البنية التحتية للمواهب لم تواكب هذا الانفجار أبدًا. اللاعب الأجنبي الثامن يخنق فرصة اللاعب المحلي والأكاديميات ما زالت تعمل بعقلية الهواة ومدرب الفئات السنية ما زال هو الحلقة الأضعف راتبًا وتأهيلًا واهتمامًا. كأننا بنينا فندقًا من خمس نجوم ونسينا أن نبني المطبخ الذي سيطعم هذا الفندق لعشرين سنة قادمة. التجارب الناجحة في إسبانيا وألمانيا لم تبدأ برونالدو بدأت بطفل عمره ثماني سنوات يتدرب كل يوم على أبسط الأساسيات: الاستلام والتسليم واتخاذ القرار.
ثم تعال واسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: ما هو أسلوب الكرة السعودية الجديد؟ هل نلعب استحواذًا؟ أم تحولات سريعة؟ أم نعتمد الضغط العالي؟ لا أحد يملك الإجابة. كل نادٍ يلعب بمدرسة مختلفة كل موسم؛ اليوم برتغالية وغدًا ألمانية وبعد غد لاتينية. المال يشتري النجوم نعم لكنه لا يشتري الهوية أبدًا. الهوية تُبنى بقرار استراتيجي واحد يلزم الجميع بفلسفة واضحة تبدأ من المنتخبات السنية وتنتهي في الفريق الأول. اليابان فعلتها قبل عشرين سنة ووضعت منهجًا واحدًا واليوم تحصد الثمار. ونحن ما زلنا نغير خارطة الطريق مع كل تغيير إدارة.
ويبقى الاختبار الأهم هو الاستدامة المالية. الدعم الحكومي السخي عبر برنامج الاستقطاب وصندوق الاستثمارات هو من وضعنا على الخريطة وهذا فضل يُحسب ولا يمكن إنكاره. لكن السؤال الأهم هو: ماذا بعد؟ النادي الذي يعتمد تسعين بالمئة من إيراداته على الدعم سينهار لحظة توقف الدعم. الأندية الكبرى في العالم لا تبيع لاعبًا فقط تبيع قميصًا ومتحفًا وأكاديمية وحقوقًا رقمية ومحتوى. بينما متاجرنا الإلكترونية حتى اليوم ضعيفة وعضويتنا الجماهيرية شكلية وشراكاتنا موسمية مرتبطة بوجود نجم.
إجابة سؤال إلى أين لا تكتبها البيانات الرسمية تكتبها قرارات واضحة على الأرض: أن نحمي اللاعب المحلي ليس بالكلام بل بالدقائق؛ نلزم كل نادٍ بخمسة لاعبين تحت إحدى وعشرين سنة يلعبون وقتًا حقيقيًا في الموسم وأن نواصل شجاعة الاتحاد في توطين الطاقم الفني ليكون المساعد ومحلل الأداء ومدرب اللياقة سعوديًا. وأن ننشئ إدارة عليا للتطوير الفني في اتحاد القدم تضع منهجًا تدريبيًا سعوديًا موحدًا وتقيم المدربين عليه لا على عدد البطولات فقط. وأن نربط الخصخصة بمؤشرات تجارية حقيقية: كم تبيع وكم تربح من أكاديميتك وكم عضوًا دائمًا لديك لا بعدد متابعيك في المنصات.
مشروعنا الرياضي مشروع عظيم بدأ كبيرًا ولفت أنظار العالم. لكن العظمة لا تقاس أبدًا بالبداية بل بالقدرة على الاستمرار. نحن لا نحتاج أن نشك في المشروع نحتاج فقط أن نحميه من نفسه من نشوة اللحظة ومن فكرة أن النجم يكفي.
النجم يضيء الملعب لسنتين أما المشروع الحقيقي فهو من يضيء الوطن لعشرين سنة. فهل نملك شجاعة المراجعة اليوم قبل أن نسأل بعد خمس سنوات لماذا انطفأ الضوء؟
















