الحميدي يكتب: كرتنا.. صناعة ثقيلة أم إدارة “فزعة”؟

عندما تصطدم الأفكار الجديدة بـ “العقول القديمة”.. أزمة الفكر في إدارة كرتنا

في كتابه الخالد “حياة في الإدارة”، وضع الراحل الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- يده على جرحٍ إداريٍّ أزلي حين قال: “محاولة تطبيق أفكار جديدة بواسطة رجال يعتنقون أفكاراً قديمة هي مضيعة للجهد والوقت”.

تلك الكلمات لم تكن مجرد اقتباسٍ يُزين الصفحات، بل هي توصيفٌ دقيقٌ للواقع الذي تتنفسه إدارة كرة القدم السعودية اليوم. فنحن أمام مشهدٍ استثماريٍّ وتطويريٍّ ضخم، واستيرادٍ لأحدث أدوات التحليل والتخطيط؛ لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل الميدان الإداري جاهزٌ بالفعل لاستيعاب هذا التحول؟

قدماء العرب لخصوا هذه المعضلة بحكمةٍ موجزة: “لا يُرقع الثوب البالي بغزلٍ جديد”، وقالوا أيضاً: “لكل زمانٍ رجال”. كرة القدم السعودية لم تعد مجرد صافرة وركلة وشغف جماهيري في المدرجات، بل تحولت إلى صناعة ثقيلة، وحوكمة مالية معقدة، واستراتيجيات تعتمد على أدق تفاصيل تحليل البيانات. هذا الواقع الجديد لا يمكن إدارته بأدوات الماضي، ولا بعقلية “الاجتهاد الفردي” و”إدارة الفزعة”.

إن الشارع الرياضي، من مدرجاته إلى منصات تحليله، يدرك تماماً أن النقلة الكبرى التي تشهدها كرتنا تحتاج إلى رؤية إدارية توازي هذا الطموح، وتتجسد في أربعة أركان أساسية:

  • الفصل التام بين القيادة والعمل التنفيذي: تمكين الكفاءات التخصصية داخل اللجان والأندية، ورسم صلاحيات واضحة تمنع التداخل والإرباك.
  • ترسيخ عقلية الاستدامة والحوكمة: مغادرة مربع “إدارة الأزمات المؤقتة والتعاقدات العاطفية اللحظية”، والتأسيس لتخطيط مالي ورياضي طويل المدى.
  • الاعتماد الصارم على البيانات أن تصبح القرارات الفنية والتعاقدية مبنية على مؤشرات أداء قاطعة وتحليل رقمي عميق، لا على الانطباعات الشخصية والآراء الانفعالية.
  • تجديد البيئة الثقافية للعمل: إحلال الفكر المؤسسي المستدام محل العلاقات الفردية والمجاملات التي طالما أهدرت المكتسبات.

المرحلة الحالية لا تدعو إلى إلغاء الخبرات التراكمية، بل تطلب تكامل الفكر؛ أن يلتقي نضج التجربة مع مرونة العقلية الحديثة. إن النجاح الحقيقي لن يتحقق بي البرامج البراقة وحدها، بل بشرطٍ واحد: أن نحمل الأفكار الجديدة بعقولٍ تؤمن بها، وتملك الشجاعة والتخصص لتطبيقها في أرض الميدان.

46