محمد الدغريري يكتب.. سَلِمْ من الموت

عندما تتعمق في أهازيج النادي الأهلي السعودي لا تستمع إليها بأذنيك فقط بل تشعر بها وهي تعبر من المدرج إلى القلب خذ نفسًا عميقًا وأغمض عينيك لحظة وستكتشف أن هناك ألحانًا تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه الكلمات أن تنتزع الحزن من صدرك وأن تجعل الحياة ولو للحظات تبتسم لك.

ومن بين آلاف الأهازيج التي صنعتها جماهير الأهلي تأتي أهزوجة «سَلِمْ من الموت» مختلفة في إحساسها عميقة في معناها وقريبة من الدعاء أكثر من كونها أغنية للمدرج فهي لا تهتف للأهلي كي ينتصر فقط ولا تطلب منه بطولة أو كأسًا بل تتمنى له السلامة من كل شيء من الموت والانكسار ومن المرض والتراجع ومن تلك الأيام التي قد تثقل كاهل العاشق حين يرى معشوقه يتألم وحين تقول الجماهير

«يقولوا يا الأهلي يا الغالي

يا شاغل بالي

أفديك أنا بروحي وأهلي

وإخواني وأصحابي»

تدرك أنك أمام مشاعر لا تُكتب بالحبر وإنما تُكتب بنبض القلب يا لها من كلمات خرجت من قلوب أناس لم يعودوا يرون الأهلي ناديًا يلعب كرة القدم بل قطعة من ذاكرتهم ورفيقًا لأيامهم وحكاية تسكن بينهم وبين المدرج.

إنها ليست مجرد أهزوجة تؤدى في مدرج خط النار بل هي رسالة حب طويلة يبعثها الجمهور إلى لاعبيه وهم داخل الملعب لسنا معكم فقط عندما تفوزون ولسنا عشاقًا للنتيجة وحدها بل نريد أن نراكم بخير متألقين مبدعين واقفين على أقدامكم في كل محفل الفوز يسعدنا والخسارة تؤلمنا .

لكن الأهلي في قلب محبيه أكبر من نتيجة مباراة ولهذا أعتقد أن «سَلِمْ من الموت» تستحق أن تمنح فرصة فنية مختلفة أن يعاد توزيعها موسيقيًا وأن تدخل إليها الأوركسترا وأن تتحول من أهزوجة مدرج إلى عمل غنائي متكامل مع الاحتفاظ بروحها الأصلية وصدقها الأول وأقولها من زاوية موسيقية لا من باب الميول الرياضية.

فقد سبق أن أثبتت المدرجات أن الأهازيج قادرة على عبور حدود الملعب والوصول إلى الناس ومن ذلك أهزوجة «روحوا قولوا للي غدر يحسب جمهوره انكسر» التي ارتبط لحنها بأغنية الفنان الكبير فريد الأطرش «يكتب على أوراق الشجر» فتحولت من عمل غنائي إلى ذاكرة تتردد في المدرجات وهنا تكمن الفكرة «سَلِمْ من الموت» ليست أقل شأنًا من أي عمل غنائي إذا وجدت الملحن الذي يفهم روحها والموسيقي الذي يعرف كيف يحافظ على دمعتها دون أن يقتل بساطتها وقد تتحول إذا أُنجزت بالشكل الصحيح إلى عمل يسمعه من لا يعرف الأهلي أصلًا فيتساءل ما هذا الحب الذي جعل جماهير نادٍ تكتب مثل هذا الدعاء.

وأنا هنا لا تحكمني ميولي للأهلي فالأهلي أكبر من صوتي وأهازيجه تجاوزت حدود مدرجاته ووصلت إلى مدرجات عربية وخليجية وأصبحت جزءًا من هوية جماهيره لكنني أتحدث من زاوية أخرى زاوية الموسيقى فقد درست شيئًا منها في بدايات حياتي وأعرف أن بعض الألحان لا تحتاج إلى كثير من الزخرفة لأنها ولدت مكتملة من رحم الإحساس و«سَلِمْ من الموت» واحدة منها لأنها لا تقول للأهلي انتصر من أجلنا بل تقول له في أصدق صورة للحب ابقَ بخير وسَلِمْ من الموت.

45