محمد الدغريري يكتب.. أفصلوا الرياضة عن السياسة

لم تعد الجماهير تنتظر كأس العالم لمشاهدة أهداف خالدة أو مهارات استثنائية فحسب، بل أصبحت تخشى أن تطغى على المشهد الكروي أحداث جانبية تثير الجدل أكثر مما تمتع العشاق. فالرياضة التي وجدت لتوحيد الشعوب لا ينبغي أن تتحول إلى منصة للرسائل السياسية، أو ساحة للصراعات التي تسرق بريق المنافسة وتضعف هيبة البطولة الأكبر في العالم.

صاحبت كأس العالم 2026 وقائع أثارت نقاشاً واسعاً بين المتابعين، بعدما ظهرت لقطات فسرها كثيرون بأنها خرجت عن الإطار الرياضي، من بينها رفع أحد المدربين علماً غير علم بلاده، ثم تداول مشاهد لمشجع يحمل علم دولة أخرى في موقف ربطه البعض بتلك الواقعة.

كما تصاعد الجدل حول ما أثير عن محاولات للتأثير في بعض القرارات الانضباطية، إلى جانب احتجاجات صدرت من منتخبات طالبت بالعدالة والإنصاف، ولوح بعضها بعدم المشاركة مستقبلاً إذا لم تعالج أوجه القصور التي ترى أنها مست نزاهة المنافسة.

ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل امتد إلى تعيين حكام لإدارة مباريات شديدة الحساسية، وهو ما فتح باب التساؤلات والانتقادات، وأكد أن الثقة في المنظومة التحكيمية لا تقل أهمية عن جودة الأداء داخل الملعب.

إن كأس العالم ليس بطولة عادية، بل مناسبة إنسانية ينتظرها العالم مرة كل أربع سنوات، حيث تتوقف الانتماءات الضيقة أمام عشق كرة القدم، وتلتقي الشعوب على لغة واحدة عنوانها المنافسة الشريفة.

ومن المؤسف أن تعكر هذه الأجواء بمواقف أو تصرفات أو جدل لا يمت بصلة إلى روح اللعبة؛ لأن الخاسر الأول في النهاية هو الجمهور الذي ينتظر مهرجاناً رياضياً خالصاً، لا ساحات للتجاذبات.

اليوم، يقف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أمام مسؤولية تاريخية تستوجب مراجعة الأنظمة، وتعزيز الشفافية، وتطوير آليات التحكيم والانضباط، بما يضمن تكافؤ الفرص ويغلق أبواب الشكوك قبل أن تتسع.

فالمصداقية لا تبنى بالتصريحات، بل ترسخها القرارات العادلة التي تطبق على الجميع دون استثناء. وإذا أراد “فيفا” أن يحافظ على مكانة كأس العالم بوصفها أعظم بطولة كروية على وجه الأرض، فعليه أن يجعل العدالة فوق كل اعتبار، وأن يبعد البطولة عن كل ما يهدد صورتها أمام العالم.

وفي الختام، فإن كرة القدم أكبر من أن تختزل في خلافات أو رسائل لا علاقة لها بالمنافسة. إنها لغة الشعوب، وذاكرة الأجيال، وفرحة الملايين.

وكلما ابتعدت عن السياسة والتجاذبات، ازدادت نقاءً وجمالاً وتأثيراً. أما إذا بقيت هذه المشاهد تتكرر دون معالجة حازمة، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون منتخباً أو لاعباً، بل ستكون الثقة في البطولة التي طالما وحدت العالم تحت راية كرة القدم.

46