
شهدنا خلال الأيام الماضية تسابقاً لافتاً بين القنوات الرياضية على استقطاب الوجوه. فمن مقدمين قادمين من خارج الوسط الرياضي، إلى لاعبين معتزلين تحولوا إلى محللين، وصولاً إلى نقاد سبقتهم جماهيريتهم على الشاشة قبل أن تسبقهم شهاداتهم الأكاديمية. وحتى صناع المحتوى الرقمي وجدوا لأنفسهم مقاعد في الاستديوهات، بالبدلة والربطة. الجميع يريد أن “يدلي بدلوه”، والجميع يبحث عن “اللقطة” التي تتحول إلى ترند قبل أن تهتز الشباك.
اليوم نتحدث عن دوري يستقطب نجوماً عالميين، وعقوداً بمليارات الريالات، ونقلاً تلفزيونياً يصل إلى البرازيل والسنغال. في ظل هذا الحجم، لم يعد خيار القناة أن تشارك أو لا تشارك، بل أن تُسمع صوتها أو تختفي.
والمشاهد أيضاً تغير. لم يعد يرضى بالتحليل التكتيكي الجاف وحده. صار يبحث عن شخصية، عن جرأة في الطرح، عن من يخاطبه بلغة العصر: لغة الميمز والمقاطع القصيرة.
الحلقة التي لا تُنتج مقطعاً قابلاً للانتشار خلال أول خمس دقائق، تُعد خسارة تسويقية. لذلك نرى قناة تتعاقد مع نجم سابق لثقل اسمه، وقناة أخرى تستقطب يوتيوبراً لثقل تفاعله. الهدف لم يعد تسعين دقيقة تحليل، بل ثلاثين ثانية تنتشر.
لقد انتقلنا من زمن “شراء اللاعب لجلب البطولة” إلى زمن “شراء الصوت لجلب النقاش”. الناقد الذي يطلق تصريحاً نارياً يصبح هو الخبر، والمحلل صاحب الكاريزما يصبح هو سبب جلوس الجمهور أمام الشاشة قبل المباراة بساعة.
المنافسة بحد ذاتها صحية ومطلوبة لتطوير المحتوى. لكن الإشكالية تبدأ عندما يطغى الكم على الكيف.
نرى استديوهات مكتظة بستة أصوات تتحدث في آن واحد، وتحليلاً يختزل خطة مدرب كاملة في كلمتي “الروح” و”القتالية”. نرى من يتصيد الزلات لا لتصحيحها، بل لاقتطاعها في مقطع يحقق مشاهدات. والأخطر من ذلك، أننا نرى جمهور كرة القدم يتحول تدريجياً من متابع للعبة، إلى متابع لـ “الخناقات” بين المحللين.
لقد ضاعت الحدود بين النقد الموضوعي والشحن العاطفي، وبين التحليل المهني والتطبيل الممنهج. والنتيجة أن المشاهد الذي يريد أن يفهم أسباب خسارة فريقه، يخرج من الحلقة وهو يعرف جيداً من “يكره” من.
هذه الظاهرة لن تختفي، بل ستتضاعف مع كل صفقة كبرى في دوري روشن. ولكن المطلوب هو التوازن:
الترحيب بالوجوه الجديدة ضروري، لكن يجب أن يقابله تدريب وتأهيل إعلامي. مهمة المحلل هي شرح التكتيك بلغة مبسطة، ومهمة المقدم هي إدارة النقاش لا إشعاله.
الجمهور السعودي اليوم واعٍ. يتابع الدوري الإنجليزي والإسباني ويقارن. لم تعد تنطلي عليه الجمل المحفوظة والشعارات الاستهلاكية.
النقد حق مشروع وضرورة، لكن عندما يتحول إلى تصفية حسابات على الهواء مباشرة، فإن الخاسر الأكبر هو القناة، والدوري، والرياضة بشكل عام.
دوري روشن مشروع وطني بحجم دولة، وبالتالي فهو يستحق منصات إعلامية واستديوهات بحجم هذا المشروع. يستحق من يتحدث عنه كلغة مستقبل، لا كترند أسبوع وينتهي.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب أن تجيب عنه كل قناة:
هل تتسابق هذه القنوات لخدمة الكرة؟ أم تتسابق لكي تخدمها الكرة؟
















