
عندما تحاصرك الأمواج من كل جانب، وتشتد الرياح حتى تكاد تنتزع من القارب آخر حباله وتُخِلّ بتوازنه، لا تجد أمامك سوى أن تتمسك بما تبقى من الأمل، وأن تبحث عن أقرب شاطئ للنجاة. هناك، في قلب العاصفة، لا وقت للخوف، ولا مساحة للارتباك؛ عليك أن تربط الأشرعة، وتُفرّغ المياه المتدفقة من جوف القارب، وتستجمع ما بقي من قوتك، ثم تمضي بسلام، لا لأن البحر أصبح هادئاً، بل لأن الوصول هو الخيار الوحيد. وحين تهدأ الرياح، وتنام الأمواج، ويعود القارب إلى توازنه، تكتشف أن أجمل الانتصارات ليست تلك التي تأتي بلا تعب، وإنما تلك التي تولد من رحم العاصفة.
هكذا هو حال الأهلي.
ناديٌ عريق، تعودنا أن يختبره الزمان في مطلع كل موسم رياضي، فتلاحقه بعض المتاعب والنكسات والظروف التي لا تأتي في موعدها، لكنه في كل مرة يعرف كيف يستعيد توازنه، وكيف يجمع شتاته، ليعود إلى الطريق الذي يعرفه جيداً.. طريق البطولات والانتصارات. وفي الأهلي، لا يكون الطريق دائماً مفروشاً بالورود، لكنه يبقى محفوفاً بالوفاء والوفاق.
ولعل أجمل ما في حكاية الأهلي، أنه خلفه جمهورٌ لا يعرف المستحيل، ولا ينسحب من الحكاية عندما تشتد فصولها، ولا يغادر المركب عندما تعلو عليه الأمواج؛ بل يصبح في أشد لحظات العاصفة جزءاً من طاقم النجاة الذي يسعى للوصول إلى بر الأمان.
وفي نشيد الأهلي، كلماتٌ ليست كبقية الكلمات؛ كلمات حانية لا تُقرأ فحسب، بل تتخيلها وتتعايش معها. فالحب الحقيقي لجماهير الأهلي لا يُقاس بعدد الأفراح التي عاشوها في تحقيق البطولات، وإنما بعدد المرات التي بقوا فيها واقفين إلى جوار ناديهم، عندما أصبح الرحيل يوماً أسهل من البقاء.
لهذا كانت جماهير الأهلي تغني للفرح، وتغني للحزن؛ تطرب وتُطرب، وتحوّل مدرجها “الأخضر” إلى قصيدة، والملعب إلى مسرح، والهتاف إلى رسالة حب خالدة. وحين تغضب وتشعر بمن يحاول هدم قلعتها، تردد: (روحوا قولوا للي غدر.. يحسب جمهوره انكسر)؛ هي لا تتحدث عن مباراة، ولا عن نتيجة، ولا عن موسم عابر. إنها تقول للزمان: قد نتعب.. لكننا لا ننكسر ولا نتراجع.
جدة “العروس”، مدينة المليون سكر، تعرف هذا الحب الكبير للنادي القاري. مدينة البحر والنسائم والليالي الحالمة التي يلامس فيها القمر صفحة الماء، تفخر بنادٍ يسكن في تفاصيلها، كأنه واحد من أبنائها. الأهلي هناك ليس مجرد نادٍ، إنه شيء من رائحة جدة، ومن بحرها، ومن لياليها، ومن ذاكرتها. تراه ساكناً على شاطئها الهادئ، يناجي سماءها، ويسامر نجومها، ويتغزل بقمرها الساطع، ثم يعود إلى مدرجه ليجد آلاف القلوب تنتظره، وكأنها تقول له: (لا يطول غيابك.. ثم أزمن عليه).
وحين أحاول أن أبحر في مركب “الهند أبو دقلين” لأصف الأهلي، أشعر أن الكلمات تضيق، وأن الحروف تتعب قبل أن تصل إلى شاطئ المعنى. فكيف أصف نادياً يحمل كل تلك الصفات؟ وكيف تصل حروفي إلى منتهاها، وكيف أكتب في جمهوره ما لم تسعه السطور؟
وكيف أختصر علاقة محبتي بالنادي الملكي التي عمرها من سنين حياتي؟ وكيف أوجزها في مقالٍ تعب من حروفي واشتكى من لوعتي؟ لذا سأترك البحر يكمل ما عجزت عنه الحروف، وسأترك المدرج يقول ما لا أستطيع قوله، وسأترك الأهلي يمضي في حكايته كما اعتاد.
قد تعصف بنا الرياح، وقد تتبدل الفصول، وقد يتغير الزمان، وقد يشتد الموج، لكن هناك عهداً لا يتغير رددناه في المدرجات وهتفنا به بصوت واحد: (لك العهد والعشق والانتماء.. وخلفك نمضي صباح ومساء).
الأهلي لا يحتاج في كل مرة إلى من يخبره أننا نحبه؛ يكفي أن تنظر إلى مدرجه؛ ستجد هناك قلوباً لم تتعلم الرحيل، وستجد جماهير تعرف بأن ذلك القارب قد يهتز، وأن البحر قد يغضب، لكن من أحب الأهلي حقاً لا يقفز من السفينة عند أول موجة عاصفة تهز القلوب. الأهلي يكتب المجد، وجمهورٌ يحرسه بالوفاء، وبينهما زمن طويل من حب لا يُعرف له نهاية، حتى وإن طال السفر، و”المهتوي” ملّ صبره، وعذبات الأيام ما تمدي لياليها.
















