عبدالرحمن عبدالعزيز يكتب.. طفولة كروية مهدورة.. من يمسح رأس الموهبة ثم يتجاهل مستقبلها؟


حين يولد الطفل، يلتف حوله الجميع؛ يمسحون على رأسه، ويغدقون عليه الاهتمام في أكله ولبسه وتعليمه. لكن، ويا للأسف، كلما كبر هذا الطفل وتجاوز مرحلة الطفولة، تراجع حجم الاهتمام به تدريجياً. وحين يشتد عوده ويبلغ سن النضج، ليصبح قادراً على رد الجميل وإثبات الوجود، يفاجأ بأن الأشخاص ذاتهم الذين مسحوا على رأسه صغيراً، يتجاهلون مستقبله تماماً، ليجد نفسه مجبراً على تحديد مصيره بنفسه خارج أسوار مجتمعه!

هذه المعادلة المؤلمة، باختصار شديد، هي القصة الحقيقية والواقع المرير الذي تعيشه منتخباتنا السنية.

مواهب فذة.. بلا رعاية
نحن لا نعاني من شح الموهبة؛ فنحن نملك طاقات فنية وفكرية فذة، لكنها تُترك بلا بناء صحيح أو توجيه سليم لأساسيات كرة القدم. وحين نراقب لاعبينا، نجد أن أبسط قواعد اللعبة — كالتمركز، والتحرك، والتمرير الدقيق — تنقصهم بشكل واضح. ومع ذلك، وبفضل الموهبة الخالصة وحدها، نجد أنفسنا نقدم أحياناً بطولات ومستويات ونتائج مبهرة أمام منتخبات عالمية.

ولكن، متى تبدأ المأساة؟ تبدأ عندما تكبر هذه الفئات السنية وتصل إلى أعتاب مرحلة الحصاد، لتتفاجأ بأن عمرها الرياضي قد انتهى قبل أن يبدأ فعلياً!

لقد ترسخت في عقول أجيالنا الكروية قناعة مظلمة بأن عمرهم الرياضي “قليل الأجل”؛ نتيجة حتمية للإهمال، وغياب التأهيل الفكري والنفسي والفني، واستمرار العيوب الفردية منذ الصغر دون أي محاولة جادة لتصحيحها. والأدهى من ذلك كله، هو حرمانهم من أبسط حقوقهم: فرصة إثبات الوجود، سواء في صفوف الفريق الأول بأنديتهم أو حتى على صعيد المنتخب الأول.

في المقابل، نرى العالم من حولنا يتطور؛ فالمنتخبات العالمية تدفع بلاعبيها من الفئات السنية بالتدرج، وبالصبر، والعمل المستمر على معالجة الأخطاء. بينما في رياضتنا، يبدو أن أغلب اللاعبين “يولدون” فجأة في الفريق الأول، بلا تدرج ولا إعداد حقيقي.

اجتماعات بلا خطط
نحضر الكثير من الاجتماعات والندوات الرياضية، ولكنها للأسف تخلوا تماماً من أي خطة تفصيلية واضحة المعالم ترسم مستقبل هؤلاء الشباب وتنتشلهم من الضياع.

الحل في صالات المدارس: درسٌ من البرازيل
لا أخفيكم سراً؛ المواهب الحقيقية موجودة وبكثرة، لكن المعضلة الكبرى تكمن في غياب “عين الخبير” القادرة على الاستكشاف والتطوير.

إن الحل الأمثل والمنقذ لواقعنا يكمن في العودة إلى “كرة قدم الصالات” ونشرها على نطاق واسع، لا سيما في المدارس؛ فهي المنجم الحقيقي والطريق الأسهل لاكتشاف وتطوير المواهب في الفئة العمرية الحرجة (من 12 إلى 18 سنة).

ولنا في “البرازيل” مثال حي ومباشر؛ فلا تمر سنة واحدة إلا وتخرج علينا ملاعب كرة قدم الصالات البرازيلية بكوكبة من المواهب الفذة التي تتسابق الأندية العالمية الكبرى للظفر بخدماتها.

الخلاصة
لن نصعد إلى قمة المجد كروياً، ولن نحقق طموحاتنا، بدون إرساء قاعدة صلبة، والاهتمام الحقيقي بدوري كرة قدم الصالات؛ فهي حجر الأساس لمستقبل رياضي مشرق.

46