أين يجلس مديرك

ياسر البهيجانالمسافة الجسديّة بين المدراء والموظفين تحمل دلالات متعددة وتأثيرات كبرى على المستويين السلوكي والفكري، وفق ما أكده باحثون من كليّة روتردام للإدارة في هولندا.
أسوأ أنواع المدراء هم أولئك القابعون في مكاتبهم المستقلّة والمنعزلة عن مكان تواجد الموظفين، ويكتفون بإلقاء الأوامر والنواهي وسط علاقة جافّة وجامدة أشبه بعلاقة البائع والمشتري، ما يفسّر استياء العاملين وشعورهم بالتذمّر والرغبة في التسرّب بحثاً عن بيئة عمل مستقرّة توفّر فرصاً أكبر للإبداع وتنمية المهارات والمواهب.
ومن المفاهيم الخاطئة التي يؤمن بها عدد ليس بالقليل من المدراء هي أن التواجد في مكان واحد يجمعهم مع موظفيهم سيساهم في فقدانهم للقدرة على السيطرة وفرض الأنظمة والقوانين بصرامة، الدراسة تثبت عكس ذلك كلياً. الموظفون يشعرون بقدر أكبر من المسؤوليّة عندما يرون المدير على مقربة منهم، وإذا ارتفع احساسهم بالمسؤوليّة ستزيد نسبة انضباطهم داخل بيئة العمل، وتقل الكثير من المشكلات ويذوب معها جليد المراوغة والمماطلة التي يشتكي منها المدراء.
وكشف الدراسة عن أن الموظفين سيتأثرون سريعاً بسلوك مديرهم عندما يتواجد بالقرب منهم، فإن كان منضبطاً في عمله وتوقيت حضوره وانصرافه ومتفانياً في أداء مهامه فكل ذلك سينعكس على الموظف ويبدأ بتقليد تصرفات مديره في العمل، ما يسهّل على المدير إمكانيّة نقل السلوكيّات الإيجابيّة بطريقة غير مباشرة، بدلاً من الاتجاه نحو الترهيب أو حرمانه من بعض الامتيازات التي في الغالب لا تجدي نفعاً، وإنما تضاعف عدائيّة الموظفين لمديرهم من جهة ولمؤسستهم من جهة أخرى.
الإدارة فنّ وعلم في الآن ذاته، والشخص الناجح كموظف لا يعني بأنه مؤهل للنجاح كمدير، التحديات والعقبات فيما بين الكرسيين مختلفة كلياً، والحقيقة أن معظم الجهات الحكوميّة والخاصة تعاني من أزمة إدارة، ومرجع تلك الأزمة غياب التأهيل الملائم للمدراء، وجهلهم بمفهوم الإدارة القائمة على مبدأ تكليفيّ بعيداً كل البُعد عن التشريف، وفقدانهم لآليّات التعامل مع الموظفين المتفاوتين في ثقافتهم وتعليمهم، وإهمالهم للجوانب العاطفيّة والإنسانيّة داخل بيئة العمل، والاكتفاء بممارسات مليئة بالتسلّط والقمع بحجة فرض الأنظمة والقوانين وسط سيادة لنظام العقاب دون تفعيل مبدأ الثواب أولاً.

* ماجستير في النقد والنظرية

103