خالد جاسم.. مدرسة إعلامية تغرّد خارج السرب

على امتداد أكثر من ثلاثين عامًا قضيتها في العمل الإعلامي، عايشت خلالها مراحل مختلفة من الإعلام الرياضي، وشاهدت أسماءً وبرامج وتجارب كثيرة على مستوى الخليج والوطن العربي، أستطيع القول من وجهة نظري الإعلامية إن المقدم والإعلامي خالد جاسم استطاع أن يصنع لنفسه مساحة خاصة، وأن ينفرد بأسلوب إعلامي يجعله يغرد خارج السرب.

خالد جاسم ليس مجرد مقدم لبرنامج رياضي، بل إعلامي يمتلك أدواته، ويحترم مهنته ومشاهديه وضيوفه، ويعرف كيف يدير الحوار مهما ارتفعت سخونته وتباينت الآراء داخله. ولعل الحيادية، والحضور، وسرعة البديهة، والقدرة على ضبط إيقاع النقاش، من أبرز الصفات التي جعلته واحدًا من الأسماء اللافتة في الإعلام الرياضي الخليجي والعربي.

ومن يتابع برنامج «المجلس» على قناة الكأس يدرك جيدًا حجم الخبرة التي يتمتع بها خالد جاسم؛ فهو يمنح ضيوفه مساحة واسعة لإبداء آرائهم، لكنه في الوقت نفسه يعرف متى يتدخل، وكيف يعيد الحوار إلى مساره الصحيح. وإذا تجاوز أحدهم حدود النقاش أو حاول تمرير تلميحات لا تخدم الحوار، تجد خالد حاضرًا بذكاء وخبرة، قادرًا على «فرمتة» المشهد وإعادته إلى إطاره المهني، دون ضجيج أو افتعال.

وهنا تكمن صعوبة إدارة البرامج الحوارية الرياضية؛ فالمقدم الناجح ليس من يتحدث أكثر، وإنما من يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يتدخل، وكيف يحتوي الاختلاف دون أن يقتل متعة الحوار. وهذه معادلة أرى أن خالد جاسم يجيدها باقتدار.

أما برنامج «المجلس»، فقد أصبح هو الآخر حالة إعلامية مختلفة؛ برنامج له شخصيته وهويته الخاصة، واستطاع أن يحافظ على حضوره وتميزه وسط زخم كبير من البرامج الرياضية. وما نشاهده خلال تغطيته لكأس الخليج يؤكد أن «المجلس» لم يعد مجرد طاولة وضيوف داخل استديو، بل أصبح مساحة إعلامية متحركة تذهب إلى الحدث، وتقترب من الناس، وتنقل المشهد الرياضي والاجتماعي والسياحي معًا.

والجميل في تجربة البرنامج أنه لم يحصر نفسه في المستطيل الأخضر، بل خرج من الاستديو إلى الشارع، وقدّم للمشاهد جوانب أخرى من المدن التي تحتضن الأحداث الرياضية. وفي جدة تحديدًا، شاهدنا كيف استطاع البرنامج أن يبرز ما تزخر به المدينة من مقومات سياحية وتراثية، وأن ينقل صورة جميلة عنها، وصولًا إلى التجول في منطقة البلد وما تحمله من تاريخ وهوية وموروث.

هذا التنوع هو ما يصنع الإعلام الحقيقي؛ فالحدث الرياضي ليس مباراة تبدأ مع صافرة الحكم وتنتهي بصافرته، وإنما مناسبة يمكن من خلالها تقديم ثقافة المكان، وأهله، وتاريخه، وسياحته، وهويته.

خالد جاسم، في تقديري، لم يعد مجرد مقدم ناجح لبرنامج «المجلس»، بل أصبح مدرسة إعلامية متنقلة، يمكن لكل إعلامي، وخصوصًا الأجيال الجديدة، أن يتوقف أمام تجربتها ويتعلم منها: كيف تحترم ضيفك دون أن تفقد السيطرة على الحوار، وكيف تكون محايدًا دون أن تكون باهتًا، وكيف تصنع الإثارة دون إساءة، وكيف تدير الاختلاف دون أن يتحول إلى فوضى.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا في الإعلام، تعلمت أن البقاء في هذه المهنة لا تصنعه الشهرة وحدها، وإنما يصنعه الاحترام والمهنية والقدرة على التطور. وهذه، من وجهة نظري، بعض أسرار استمرار خالد جاسم ونجاح «المجلس».

خالد جاسم.. إعلامي احترم المهنة، فاحترمه المشاهد، وصنع من «المجلس» مجلسًا ينتظره عشاق الرياضة.

46