
في زمنٍ كانت فيه الكلمة أمانة، والميكروفون عهدة، والقلم شرفًا، كنا نعرف الإعلامي الرياضي من سطر واحد يكتبه. اليوم اختلط الحابل بالنابل، وأصبح كل من فتح مساحة في تويتر أو صرخ في مقطع تيك توك يضع تحت اسمه لقب إعلامي رياضي.
والحقيقة التي يجب أن تقال بلا مجاملة هي أن ليس كل من أمسك ميكروفونًا أصبح إعلاميًا، وليس كل من لبس ثوب النقد أصبح ناقدًا. الإعلام الرياضي اليوم يقف على مفترق طرق خطير؛ إما أن يكون أداة بناء أو معول هدم، ومن هنا فإن على عاتق الإعلامي الرياضي مسؤوليات وواجبات لا يمكن أن يتنصل منها شاء أم أبى.
روح المنافسة واحترام الخصم
المنافسة شريفة بطبيعتها. تسعون دقيقة في الملعب يفوز فيها من يستحق ويخسر من لم يوفق. دور الإعلامي أن ينقل هذه الحقيقة كما هي لا كما يتمناها هو، أن يحترم الكبير والصغير، البطل والطموح، وأن لا يصور فوز منافسه وكأنه مؤامرة كونية وخسارة فريقه وكأنها ظلم تحكيمي. احترام المنافسة هو أن تقول للمشاهد هذا فاز لأنه اجتهد وهذا خسر لأنه أخطأ بلا لف ولا دوران.
الإعلامي ليس مشجعًا في المدرج، بل هو من يوجه المدرج. المشجع البسيط، ذلك الشاب الصغير الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة، الذي قضى أسبوعه يجمع ريالات ليقطع تذكرة، هو يسمعك ويصدقك. إذا زرعت في قلبه أن الفريق المنافس عدو وأنه فاسد وأنه انتزع منه اللقب، فأنت لا تخدم ناديك، بل تزرع في هذا الشاب بذرة كراهية ستكبر معه وستراها غدًا شتيمة في المدرج وعراكًا خارج الملعب وقطيعة رحم بين أبناء الوطن الواحد.
دورك يا سيادة الإعلامي أن تطفئ النار لا أن تصب عليها الزيت، وأن تقول بعد كل ديربي مبروك للفائز وحظ أوفر للخاسر. هذه هي الروح الرياضية التي تربينا عليها في ملاعبنا في مكة وجدة والرياض وباقي مناطق المملكة.
حدود النقد وميثاق الشرف
انتقد، نعم هذا حقك. لكن انتقد الفكر لا الشخص، انتقد الخطة لا الأصل والفصل، انتقد العمل الإداري لا تلمز في الذمم والأعراض.
ما نراه اليوم من تحول النقد من نقد فني تكتيكي إلى نقد شخصي مناطقي هو أمر دخيل على رياضتنا وخط أحمر يجب أن نقف عنده جميعًا. قل المدرب أخطأ في التشكيلة ولا تقل المدرب لا يفهم كرة قدم، وقل رئيس النادي فشل في التعاقدات ولا تقل رئيس النادي مفرط.
نحن في هذا الوطن، رياضتنا كانت وما زالت هي الرئة التي نتنفس من خلالها فرحًا. كنا نجتمع في بيت واحد، أخ هلالي وأخ نصراوي وأخ اتحادي وأهلاوي، نضحك ونفرح ونخرج متحابين. فماذا فعل بكم الترند وماذا فعلت بكم المشاهدات؟
أقولها بصدق؛ نحن لا نريد إعلاميًا بلا ميول، فهذا مستحيل وكلنا نعرف ميول بعضنا بعضًا ونحترمها. لكننا نريد إعلاميًا نزيهًا بميوله، يحب ناديه حد الجنون لكنه لا يكذب من أجله، ولا يفجر في الخصومة من أجله، ولا يحرض من أجله.
كرة القدم في النهاية لعبة وجدت لتسعد الناس لا لتفرقهم، ومدرجاتنا لا تحتاج لمن يصب عليها الزيت بل تحتاج لمن يبردها بالكلمة الطيبة والطرح المتزن والرأي الصادق. تلك هي أمانة الإعلام، فمن حملها فليحملها بشرف، ومن لم يستطع فليترك الميكروفون لغيره.
















