محمد الدغريري يكتب..الأهلي نزيف الأسرار

في الأزمات تظهر الحقائق، كما يظهر من يحاول استثمارها. وحين يمر نادٍ بحجم الأهلي بمرحلة دقيقة، يصبح المشهد مزدحمًا بالأصوات، لكن ليس كل صوت يمثل الإعلام، وليس كل من سبق إلى نشر معلومة يستحق أن يُمنح صفة الإعلامي. فالإعلام رسالة قبل أن يكون منصة، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة، وأخلاق قبل أن يكون سباقًا على “السبق الصحفي”.

ما نشاهده اليوم يدعو إلى التوقف طويلًا. فهناك من يتعامل مع كل ما يدور داخل أسوار الأهلي على أنه مادة للنشر، دون مراعاة لخصوصية الكيان أو احترام لمهنية العمل الإعلامي. وتُقدَّم التسريبات على أنها “معلومات حصرية”، بينما الحقيقة أن بعض ما يُنشر يتعلق بشؤون داخلية يفترض أن تبقى في إطارها الطبيعي حتى يحين وقت إعلانها رسميًا.

ولست هنا بصدد محاكمة الأشخاص أو توزيع صكوك الانتماء إلى الإعلام، فهذه مسؤولية المؤسسات المهنية، لكن من حقنا أن نتساءل: هل يكفي امتلاك حساب مؤثر في وسائل التواصل، أو الظهور في برنامج تلفزيوني، حتى يصبح صاحبه إعلاميًا؟ وهل السباق نحو الشهرة يبرر نشر كل ما يصل من معلومات، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار الأندية وحقوقها؟

القضية في جوهرها ليست من نشر الخبر، بل كيف وصل إليه؟ فإذا كانت أخبار الأهلي الداخلية تتسرب بهذا الشكل المتكرر، فإن السؤال الحقيقي يجب أن يتجه إلى داخل البيت الأهلاوي قبل خارجه. فالتسريب لا يولد في المنصات، بل يبدأ من مصدر داخل المؤسسة، ثم يجد من يتلقفه وينشره.

ولمن عاصر الأهلي في عقود مضت، يدرك أن هذا الكيان كان مدرسة في الانضباط الإداري. كانت الأخبار لا تغادر أسواره إلا عبر قنواتها الرسمية، وإن حدث تسريب عُدّ استثناءً يستوجب التحقيق والمحاسبة. أما اليوم، فقد أصبحت تفاصيل النادي تتنقل بين البرامج الفضائية ومنصات التواصل قبل أن يعلم بها كثير من منسوبيه وجماهيره، وكأن أبواب القلعة الخضراء أُزيلت، وأصبحت أسرارها متاحة لكل من يدّعي امتلاك “مصدر خاص”.

إن استمرار هذا المشهد لا يضر بصورة الأهلي فحسب، بل يضعف الثقة داخل المنظومة الإدارية، ويمنح الانطباع بأن هناك خللًا في حفظ المعلومات وحماية القرار. ولهذا فإن معالجة الظاهرة لا تكون بمهاجمة الناشرين وحدهم، بل تبدأ بإغلاق منافذ التسريب، وتعزيز الرقابة، ومحاسبة كل من يعبث بأسرار الكيان.

الأهلي أكبر من أن يكون مادة يومية للتسريبات، وأعرق من أن تتحول أسراره إلى وسيلة لبناء شهرة عابرة. ومن يريد حماية هذا النادي، فعليه أن يبدأ من الداخل؛ لأن الأبواب لا تُفتح من الخارج إلا إذا وجد من يتركها مواربة من الداخل.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى كثير من الجدل: لا أحد يستطيع سرقة أسرار بيتٍ أُحكم إغلاق أبوابه، ومن أراد أن يعرف سبب كثرة التسريبات، فليسأل أولًا… من الذي فتح الابواب المغلقة.

47