
فلنقلها بلا مساحيق تجميل: نحن لا نملك أزمة لاعبين، ولا أزمة مدرب، نحن نملك أزمة جمهور مريض بالتعصب.
أخطر ما يواجه الأخضر اليوم ليس اليابان في طوكيو ولا إيران في طهران، أخطر ما يواجهه هو ذلك المشجع الذي يجلس خلف هاتفه، يحمل شعار المنتخب في الصورة، ويحمل خنجر النادي في يده.
تحولنا من أمة كانت تقول يا رب يا أخضر بقلب واحد، إلى مجموعات تقول يا رب يلعب لاعبنا، وإلا فليسقط المنتخب.
إلى أي قاع وصلنا؟
أصبح تشجيع المنتخب مشروطا. إن لعب نجم الهلال، فالهلالي سيشجع. وإن لعب نجم النصر، فالنصراوي سيشجع. وإن لم يلعب، فليذهب المنتخب إلى الجحيم. وليخسر. وليقال المدرب. ولتحترق المنظومة.
هذه ليست كرة قدم. هذه خيانة رمزية للقميص.
انظروا إلى الرمز عاطي الموركي.. لتتعلموا معنى تشجيع المنتخب.
هذا الرجل، عميد الجماهير، يشجع الأخضر منذ أكثر من خمسين عاما. من كأس آسيا 1984 في سنغافورة، إلى أولمبياد لوس أنجلوس، إلى ست بطولات كأس عالم، إلى كل بطولات الخليج وآسيا. خمسون عاما وهو يلبس الأخضر والأبيض ويحمل مكبر الصوت على كتفه، يتنقل بين المدن والدول على حسابه، يؤلف الأهازيج الوطنية بصوته.
عاطي الموركي لم يسأل يوما: هل في التشكيلة لاعب وحداوي أم لا؟ هل استدعى المدرب نجم ناديه المفضل؟ كان يسأل سؤالا واحدا فقط: أين سيلعب الأخضر؟ ليكون هناك.
كل شيء تغير في المنتخب خلال نصف قرن.. اللاعبون تغيروا، والمدربون تغيروا، والرؤساء تغيروا، إلا هذا الرجل بقي ثابتا مع القميص الأخضر. ولهذا كرمه وزير الرياضة، لأنه لم يشجع لاعبا، بل شجع وطنا. هذا هو الفرق بين المشجع الحقيقي ومشجع الواجهة.
وأريد أن أسأل هذا الجمهور الجديد سؤالا واحدا:
عندما يعزف النشيد الوطني قبل المباراة، هل تنظر إلى الشعار الذي على صدر اللاعب، أم تنظر إلى الاسم المكتوب على ظهره؟
إذا كنت تنظر إلى الاسم، فأنت لست معنا. أنت تشجع شخصا، ونحن نشجع وطنا.
داخل قميص الأخضر، لا يوجد شيء اسمه هلالي ونصراوي واتحادي وأهلاوي. هذه التقسيمات الطفولية تترك عند بوابة النادي. داخل المنتخب، يوجد أحد عشر رجلا سعوديا فقط. انتهى.
ما يحدث في تويتر وتيك توك ليس نقدا، بل هو إرهاب جماهيري منظم:
- مدرب المنتخب لم يعد يختار التشكيلة حسب الخطة، بل حسب إرضاء المدرجات. استدعى خمسة لاعبين من ناد واحد؟ اشتعلت الفتنة. استبعد المعشوق الجماهيري؟ أصبح خائنا وعميلا.
- لاعب يضيع انفرادا محققا للمنتخب، فيخرج من يدافع عنه لأنه لاعبنا ولأنه مظلوم.
- ولاعب آخر يقاتل ويصنع الفوز، فينهالون عليه سبا وتقليلا فقط لأنه يلبس قميص الغريم في الدوري.
بالله عليكم.. هل هذا حب للمنتخب؟ والله إنه تدمير ممنهج بيد أبناء الوطن.
افهموا هذه الحقيقة التي لا يريد أحد قولها: اللاعبون إلى زوال، والمنتخب هو الباقي.
كم بكينا على أساطير؟ كم قلنا المنتخب انتهى باعتزال ماجد وسامي ومحمد نور وياسر؟ وبكى جيل واعتزل جيل، وبقي الأخضر. بقي العلم شامخا. بقيت الراية.
نجمك الذي تدافع عنه اليوم باستماتة وتشتم المنتخب من أجله، بعد خمس سنوات سيكون في الاستوديو التحليلي أو سيفتح مشروعا تجاريا، وستنساه. لكن المنتخب سيبقى يلعب بهوية ابنك وابني بعد عشرين سنة.
القميص الأخضر أكبر من كل الأسماء. أكبر من نجمك، ونجمي، ونجم الإعلام المطبل.
لذلك أقولها صريحة: شجع الأحد عشر الذين يختارهم المدرب، حتى لو لم يكن بينهم لاعب واحد من ناديك. صفق للشعار الاخضر، لا للحروف الإنجليزية المكتوبة خلفها.
نريد أن نعود لزمن الجمهور الذي كان يقول: إذا فاز الأخضر، فاز ناديي وفاز لاعبي تلقائيا. لا جمهور يقول: إذا لم يلعب لاعبي، لا يهمني لو خسر الوطن.
المنتخب أولا.. والمنتخب أخيرا.. والمنتخب دائما.
ومن كانت عنده الجرأة ليضع لاعبه فوق المنتخب، فليراجع وطنيته قبل أن يراجع ميوله الكروية.
















