زامر: الأبطال الكبار يزدادون قوة بعد الهزائم

عندما فازت ألمانيا بآخر ألقابها الكبرى خلال نهائيات كأس الأمم الأوروبية 1996 UEFA، كان ماتياس زامر المحرك الأبرز للفريق حيث كان يجسد بطريقة راقية المهارة الكروية الرفيعة الممزوجة برغبة جامحة في الفوز. وقد اختير في نفس السنة أيضاً أفضل لاعب في القارة العجوز، ليكون بذلك آخر لاعب ألماني يتوج بجائزة فردية كبرى.

لعب زامر لكل من دينامو دريسدن وشتوتجارت وإنتر ميلان وبوروسيا دورتموند وأحرز لقب الدوري مرتين والكأس مرة واحدة في ألمانيا الشرقية إلى جانب تتويجه بلقب الدوري الألماني في مناسبتين ورفع كأس دوري أبطال أوروبا UEFA مرة واحدة وكأس الإنتركونتينينتال في مناسبة وحيدة أيضا. ظهرت قدراته التكتيكية على أرض الملعب في وقت مبكر، قدرات سرعان ما وظفها أيضا من موقعه كمدرب في دورتموند وشتوتجارت. ومنذ عام 2006 يعمل ابن سكسونيا، الذي عادة ما تُطلب استشارته الكروية، كمدير رياضي في الإتحاد الألماني لكرة القدم.

وقد أوضح فولفجانج نيرسباخ الرئيس الجديد للإتحاد الألماني لكرة القدم بقوله: “زامر إنسان مندفع جداً، لكن بالمعنى الإيجابي للكلمة. بتصميمه وقلقه يمكن أن يلعب على أعصاب أحدهم بطريقة بناءة. فمثل هذه الأشياء هي ما نحتاجه في الإتحاد الألماني لكرة القدم،” وأضاف قائلاً: “إنه يرغب دائماً في الفوز، وبهذه الطريقة يمكن تحريك الأشياء وتغييرها ووضعها على المسار الصحيح.”

قبل أيام قليلة من انطلاق كأس الأمم الأوروبية 2012 UEFA خصص زامر حيزاً من وقته للحديث حصرياً مع موقع FIFA.com عن العواطف والذكريات والنقاط المؤثرة إلى جانب الإضطلاع بدور القائد والتطورات التكتيكية في كرة القدم العالمية.

FIFA.com: السيد زامر، كنت أول نجم كروي كبير من أوروبا الشرقية بعد الوحدة الألمانية. لا شك أنها كانت حقيقة ممزوجة بعواطف جياشة…
ماتياس زامر: في البداية، عندما خضت أول مباراة دولية بألوان ألمانيا الموحدة، انغمست في التفكير. كنت قبل أشهر قد سجلت مع منتخب أوروبا الشرقية هدفين في بلجيكا. وفجأة أسمع نشيداً وطنياً آخر. إلا أنني تمكنت من استيعاب هذا الأمر بسرعة. كنت فقط فخوراً بكوني جزءاً من منتخب ألماني، أما الأصل فلم يكن مهما بالنسبة لي. ربما كنت دائماً ألمانياً غربياً في داخلي (يضحك). هل تظن أنه، في السابق، في ألمانيا الشرقية عندما كنا في الثامنة أو التاسعة من العمر، لم نكن نرغب أيضاً في محاكاة اللاعبين الكبار؟ وهل تعتقد أنني في فترة السبعينات لم أكن أريد أنا كذلك أن أصبح مثل أبطال ألمانيا الغربية؟ لم يكن فقط مسموحاً أن نقول ذلك بصوت مرتفع.

من هم هؤلاء الأبطال الذين كنت تود أن تصبح مثلهم؟
(يضحك) كان دائماً هناك العديد منهم. لكن فرانز بيكنباور كان بحق لاعباً مذهلاً! وأيضا جيرد مولر! بالطبع كان هؤلاء أيضاً يشكلون قدوة بالنسبة لي!

لا بد أنك في هذه الأيام التي تسبق انطلاق البطولة الأوروبية 2012 تستحضر بكل سرور ذكريات دورة إنجلترا 1996؟
بصراحة، لا! حالياً أنا منشغل بمسألة واحدة، وهي أننا لم نعد نفوز بالمباريات الحاسمة. لا شك أننا نحقق تطوراً إيجابياً للغاية فيما يخص منتخبات الناشئين والأندية والمنتخب الوطني. لكننا في النهاية نقف على حقيقة فشلنا في الفوز بالمباريات الحاسمة الأخيرة، مثل بطولة أوروبا تحت 17 سنة وحتى نهائي دوري أبطال أوروبا.

في السابق، كنت تضطلع بدور القائد الكلاسيكي. هل هذا ما ينقص المنتخب الألماني في الوقت الحالي؟
لن تسمع أبداً على لساني أنني كنت قائداً في بطولة 1996. لكن يجب علينا تسمية الأمور بمسمياتها ووضع بعض من النقاط المؤثرة التي تعد في نظري مهمة للغاية من أجل تحقيق النجاح. وسيكون هذا الأمر من مهامنا المقبلة في مجال إعداد المواهب الكروية. أعتقد أننا نملك لاعبين يحملون معهم هذه الجينات، وينبغي علينا فقط تشغيلها. إلا أنه يتعين علينا في ألمانيا على وجه الخصوص أن نؤمن أن قدراً معيناً من عدم الرضا يعتبر عنصراً مهماً. لا أرى في ذلك أنانية بل خطاباً يلزم على الفريق أن يضعه في الأولوية. لم أكن أعرف كيف كنت سأكون اليوم. في الماضي، كان قدر معين من عدم الرضا مرغوباً، وكان مطلوباً من طرف المدربين. وإني أنظر إلى هذا الأمر في علاقته بواقع أننا لا نفوز بالمباريات الحاسمة. إنها الحلقة المفقودة.

في كرة القدم، هناك نزعة الوفاء لنظام اللعب، من جهة. ومن جهة أخرى، نريد شخصيات فردية. ألا يعتبر ذلك تناقضاً؟
يجب على المرء التمييز بين الجوانب الرياضية والذهنية. ففي الجانب الرياضي ينبغي علينا الإنتباه إلى أنه يتم تشجيع بعض اللاعبين الذين يختلفون عن الآخرين. وهذا ما نقوم به. فمثلا مسعود اوزيل وسامي خضيرة من نادي ريال مدريد مختلفان جذرياً عن بعضهما البعض على المستوى الكروي لكن كليهما يتميز بعقلية فوز قوية للغاية. وبالتالي فهما متلائمان. أما التناقض فيكمن في مسألة أنه لا يمكننا التركيز أولاً على نظام اللعب ثم نقوم بالإختيار بعد ذلك، فعندها لن يكون لدينا مكان للفرديات. إذا تم التوحيد في نهاية الأمر بين الموهبة الفردية والنظام الجماعي ينكون قد حققنا النجاح المنشود.

قلت بنفسك أنه في مجال إعداد المواهب الكروية الألمانية من المهم أولاً الدفع بالتطور الرياضي وثانياً التركيز كذلك على تطوير الشخصية. كيف يمكن أن يتحقق هذا الأمر؟
يجب أولاً الإعتراف بالبنيات القيادية. لقد قمنا بتحليل جميع الفرق في السنوات العشرين الأخيرة، والتي توّجت بكأس العالم أو باللقب الأوروبي. يمكن القول أنه لم تكن هناك تراتبية مسطحة. وهذه حقيقة. فحتى في الفرق الألمانية الناجحة كانت هناك دائماً بنيات قيادية طبعتها شخصيات مختلفة. وفي أحسن الأحوال، يملك الفريق قائداً ومزيجاً متناسقاً بين اللاعبين ثم بالطبع فرديات جيدة. كيف يمكننا تطبيق ذلك؟ يجب علينا أن نوكل مهام مختلفة للاعبين الذي يملكون شخصيات مختلفة. كما يتعين على القائد أن يضع النقاط المؤثرة عن طريق خطابات معينة. فقط إذا تم الإعتراف بهذه البنيات، يمكن أن تسير الأمور في مجراها الصحيح.

كما في عام 2010، خسر لاعبو بايرن ميونيخ مجدداً نهائي دوري أبطال أوروبا UEFA. هل يعتبر هذا الأمر عاملاً سلبياً بالنسبة للمنتخب الوطني الألماني؟
يمكن أن نلاحظ أن باستيان شفاينشنايجر ما زال يحمل معه آثار هذه الهزيمة. فهو يشعر للغاية بالمسؤولية وأجد ذلك جيداً. ففي نهاية الأمر، تحمل المسؤولية بقوة فيما يخص هذا النهائي. وسيتمكن من توجيه تركيزه إلى البطولة الأوروبية. بالنسبة للنادي يعتبر دوري الأبطال المسابقة الكبرى بامتياز. لكن مع كل الإحترام، تحتل البطولة الأوروبية مرتبة أعلى.

هل يمكن للاعبي بايرن ميونيخ ربما الخروج بأشياء إيجابية من هزيمتهم أمام نادي تشيلسي؟
يعتقد المرء دائماً أن الألمان يفوزون فقط. لكن هذا الأمر ليس صحيحا. الأبطال الكبار يزدادون قوة بعد الهزائم. يجب أن يشعروا أن بإمكانهم تحقيق إنجاز كبير على المستوى الرياضي. وهم يفعلون ذلك! ثم ينبغي عليهم أن يستخلصوا العبر اللازمة من النقاط التي تحدثنا عنها سابقاً. كان لدينا حارس كبير وطموح جداً، وكان يقول دائماً: ‘المضي قدماً’ (يحيل زامر هنا على مقولة أوليفر كان الشهيرة). وليس من الغريب أن يكون قد فاز أيضاً بمجموعة من الألقاب.

هل بإمكان ألمانيا التتويج باللقب الأوروبي؟
(بدون تردد) نعم، بكل تأكيد! بإمكاننا ذلك! لكن يجب علينا إثبات ذلك. كل الشروط موجودة. نملك فريقاً جيداً جداً ومدرباً جيداً للغاية وكادراً جيداً جداً. أما السؤال الذي يجب طرحه فهو: كيف سيتعامل الفريق مع الصعوبات؟ والصعوبات موجودة دائماً في أي بطولة. وفي حال كانوا قادرين على تجاوزها، سيكون لديهم حظوظ جيدة جداً.

ما هي الإختلافات الموجودة بين شباب الأمس واليوم؟
إن عوامل التأثير في الوقت الحالي مختلفة جداً. لكني أقر بأن شباب اليوم يظهرون في وقت مبكر عزيمة عظيمة وقدراً مبهراً من الإحترافية. وفي المقابل، أفتقد فيهم ذلك التواصل الكبير بين بعضهم البعض، حيث إنهم يكونون دائماً أكثر انشغالاً بالتقنيات الحديثة وشبكة التواصل الإجتماعي منه بالفريق. وأفتقد أيضاً روح الدعابة بين اللاعبين. كما يثيرني أن فرقنا جميعها هادئة جداً. في الحافلة، يسمعون موسيقى صاخبة، هذا يمكنهم القيام به، لكن لا وجود للموسيقى الصاخبة على أرض الملعب. وهذا له تأثيره أيضاً. في أوضاع لعب معينة أفتقد التواصل وتلك التصرفات الجريئة والجنونية وكذلك الإنفعالية. لا شك أننا لم ننجح في تفعيل ذلك بشكل كلي. حالياً لم أجد الحل السحري، لكن هذا الأمر أثار انتباهي.

هل هو مشكل ألماني أم مشكل عام؟
يجب أن أقول بكل صراحة أنه عندما ألقي نظرة على الفرق الأخرى خلال المسابقات الخاصة بالناشئين، ألاحظ أن فريقنا هو الأكثر هدوءاً. أما الفريق الصاخب فهو الذي لم يفز منذ مدة طويلة. لكن في بعض الحالات، تساعدك كثيراً الإنفعالية المفعمة بالبهجة. ويجب علينا التفكير في هذا الأمر.

إنك شخص شغوف للغاية وتحمل الكثير من الأفكار وتصريحاتك مستفزة أحياناً. هل تجذبك مهنة المدرب؟
يمكنني الإجابة بلا تردد! ولا أقول ذلك لدوافع تكتيكية، بل لأن دوري الحالي يشغلني كلياً.

كل أنظمة اللعب لها وقتها. وقد كنت تقوم بكل رقي بدور الليبرو. بعد ذلك أتت منظومة 4-4-2 ثم 4-3-3 وجميع التشكيلات المتحولة مثل 4-2-3-1 و4-1-4-1. ما هي منظومة المستقبل الكروية في نظرك؟
أعتقد أن خط الدفاع الرباعي سيبقى معتمداً رغم أن بعض الفرق تجرب من جديد الخط الثلاثي. ويتعين علينا أن ننتظر وقتاً أطول لنرى كيف ستتطور التشكيلات التكتيكية على مستوى خطي الوسط والأمام. ويتوقف ذلك بالطبع أيضاً على نوعية اللاعبين الذين تضمهم الفرق.

جميع الفرق العصرية تركز على الجناحين بواسطة لاعبين يتسمون بالقوة والسرعة للتفوق في النزالات الثنائية. هل سنشهد في المستقبل مرة أخرى منظومة تكتيكية يضطلع فيها لاعب رقم 10 التقليدي في الوسط بدور محوري؟
هذا الأمر أيضاً يتوقف على ما إذا كان فريق يملك لاعباً من طينة أصحاب الرقم عشرة الكلاسيكيين. ويعد مسعود اوزيل بكل تأكيد واحداً منهم. إلا أن الأمر في نهاية المطاف يتوقف على تفسيرنا للرقم عشرة. إذا كنا اليوم نعتبر رقم عشرة هو المهاجم المتقدم الثاني، في هذه الحالة، أين هو إذا موقع المهاجم المتقدم الثاني؟ أعتقد أننا سنشاهد في المستقبل عودة اللاعب رقم عشرة الكلاسيكي، لكن فقط إذا كان قوياً في الجري وعلى المستوى البدني، ويعمل أيضاً في الدفاع.

أنت تحيلنا على اوزيل، فهل بإمكانه الفوز بكرة FIFA الذهبية يوماً ما؟
أرى أن هناك بعض اللاعبين في المنتخب الألماني، الذين لديهم حظوظاً كبيرة للفوز بجائزة فردية كبرى. ويعتبر اوزيل واحداً منهم، لكن هناك لاعبين آخرين. وبكل صراحة، عادة ما تقترن هذه الجوائز بتتويج الفريق في بطولة كبرى. ليس دائما، لكن في معظم الأحوال. وسيتوقف ذلك على هذا الأمر. وفي جميع الأحوال سأكون سعيداً في حال تمكن أحد اللاعبين في نهاية المطاف أن يحل مكاني كآخر لاعب ألماني يفوز بجائزة فردية كبرى (يضحك).

108