عنفوان الدون وطموح بيل
عيسى الجوكم

عيسى الجوكم

لا أعرف لماذا تختلف كرة القدم في محطتها الأوروبية عن غيرها.. مُتعتها أكثر.. حيويتها أكبر.. مشاغبتها أميز.. سخونتها أعلى.. متابعتها تُشعِر أنّ كل العالم يشاهدها.. إحساس تولّد للجميع حتى من صُنّاع الفن والمهارة البرازيليين أنفسِهم.

لا أعرف لماذا انتابني شعور بأن العالم كلّ العالم نسى همومه وأوجاعه وكلَّ الألم الذي يعتصرُ في قلوب البشرية من حروبٍ وقتلٍ ودمار.. وأعلن الزعماء والحكماء.. وحتى العصابات هُدنةً من أجل متابعة مباريات يورو 2016 بفرنسا.

لن أُطيل في فلسفتي في مقدّمة سرقتُها من عنفوان الدون وطموح بيل.. فهذه المواجهة لها أفراح وأحزانُ.. هناك من سيضحك وهناك من سيبكي.. ويتساوى في هذا الفرح والبكاءِ الجميعُ ممَّن يعشقون المجنونة كرة القدم..!!

المدريديون لأول مرة سينقسمون على تشجيع نجوم فريقهم فمنهم من ستعجبه مغامرة ويلز ويصف مع جاريث بيل النفاثة البشرية، ومنهم من سيتعاطف مع رونالدو من باب مواصلة تحطيم الأرقام القياسية التي دأب عليها سواء مع النادي الملكي أو مع سيلساو أوروبا.

كما هو الحال في مواجهات يورو 2016.. وهذه حقيقة غير قابلة للجدل.. فالمواجهة ما بين رونالدو وجاريث بيل نجمي ريال مدريد.. أصبحت لمعظم البشر حتى للغارقين في الأحزان والحروب.. حتى للذين لا يجدون قوت يومهم.. وحتى للأغنياء والأثرياء الذين لا يعرفون كم يملكون من المال.. محطة استمتاع.. تختلف في لذّتها عن أيِّ شيء آخر.

لقد دخلت «الكرة» حياة البشر والشعوب.. وأصبحت لُغةً سلام.. وأحيانًا لغة حروب.. وأصبحت أيضًا في أجندة البعض أهم من المال والجاه.. تؤثّر في البشر دون أن تتأثر.. لا تملك إحساسًا ولا مشاعر.. فقد ترمي بالمجتهد والفنان في قاعة الأحزان.. وتزجُّ بالمُترهِّل داخل بيتها العامرِ في المستطيل الأخضر بعامل الحظ أو ظُلمِ الصافرةِ في نشوة الأفراح.. فلا خطابات الزعماء.. ولا اجتماعات مجلس الأمن والأمم المتحدة.. ولا دول عدم الانحياز.. ولا أوبك ولا «الفيتو» ولا غيرها من المؤتمرات الدولية والأحداث العالمية.. تجعل البشر كلّ البشر تتسمّر على شاشات التلفزة..

لو استغل مجلس الأمن تأثير كرة القدم على البشر.. وانتدبوا نجومها سفراء لوقف الحروب.. والتقليل من المجاعة والجريمة.. لكان وضع العالم أفضل مما عليه في الوقت الراهن..وهذه ليست مزْحةً ولا نكتة.. فما يملكه نجوم الساحرة المستديرة من حبٍ في قلوب البشر.. يُحوِّل الأرض القاحلة لواحةٍ خضراء.

وبدأتُ أقتنعُ بأنَّ الجماد في العصر الحديث هو الأكثر تأثيرًا على حياة البشر.. بل هو المسيطر الأول على قلوبهم وعقولهم وانفعالاتهم وفرحهم وحزنهم.. صحيح أنّ الأدوات هم البشر ذاتهم.. ولكن الأداة تعتبر من مكوِّنات الجماد.

الكرة أصبح لها إحساس وذوقٌ وفن ومتعة.. لم تعُد جامدةً.. بل هي عالم مؤثر في المال والاقتصاد والاجتماع.. أليس كذلك..؟!

104