التوثيق الرياضي مهمة مهملة فمن المسؤول عنها

عبدالغني نعمانمنذ فجر التاريخ أحس الإنسان بحاجة ماسة إلى توثيق الأحداث التي مر بها أثباتاً لدوره في المشاركة و صنع تلك الإحداث و تأثيره عليها، ولولا عملية التوثيق التي قام بها الإنسان على مر العصور لما استطعنا أن نتعرف على الحضارات المختلفة السابقة ولما وصلت إلينا أخبارهم، ونستطيع القول بأن بداية عملية التوثيق المعروفة حاليا كانت مع الحضارات الأولي حيث استخدم الإنسان طرق وأساليب مختلفة باختلاف الأدوات والمقومات المتاحة في ذلك الوقت والتي تعتمد على الظروف البيئية المحيطة بكل فترة زمنية، و يتجلى ذلك بوضوح في الآثار و العملات و المخطوطات القديمة التي عثر عليها و التي تضمنت معلومات تشير إلى الحقب الزمنية التي كان يعيش بها صانعي تلك الآثار و التي علمنا من خلالها تفاصيل حياتهم اليومية و ثقافتهم و عاداتهم و تقاليدهم.
ورغم وجود التكنولوجيا الحديثة التي يسرت عمليات البحث والتحليل التي كانت مستحيلة في السابق يفاجئنا العلماء كل يوم باكتشاف جديد يساهم في التعرف على الحضارات المختلفة وحل الألغاز المحيطة بها والتي ما زالت قيد البحث والدراسة في عصرنا الحاضر.ونتيجة لذلك ظهرت في هذا المجال علوم ساهمت في قراءة التاريخ وفق تسلسلها الزمني، وأفرزت تلك العلوم عن ظهور مجموعة من العلماء والباحثين والأخصائيين اللذين حرصوا على استخدام أساليب ووسائل مختلفة للتوصل من خلالها إلى استكشاف الأحداث التي ما زالت منطوية بين ثنايا التاريخ لتوثيقها، بالإضافة إلى توثيق كافة المستجدات في عصرنا الحالي.
التاريخ هو الهوية الحقيقية للأمم والشعوب، وهناك علامات فارقة في تاريخ الشعوب والدول لا يتشابه ما قبلها مع ما بعدها، كما يمثل في حقيقته اللبنة الأساسية التي بنيت عليها أسس قيام الدولة وتطورها ونموها، واستناداً إلى أهمية هذا التاريخ، وإلى حقيقة أن «تاريخ الامم لا يقل أهمية عن حاضرها الزاهي، ومخطئ من يظن أن الشعوب لا تدرك أن الخطوة الأولى في تصفية شعب هو محو ذاكرته وتدمير وتشويه وتزوير كتبه وثقافته وتاريخه، وهذا التغيير ساهم في تغيير نظرة العالم للثقافات المختلفة، ونظرة تلك الثقافات لنفسها، وهو مربط الفرس في حوار الحضارات وصعوبة قبول حوار جمعي يتقبله الجميع في ظل الدور الذي لعبته الأنظمة السياسية، ووكالات الاستخبارات المركزية في العالم القديم والحديث ضد فكرة تساوي الشعوب وأن ما وصلت له الحضارات هو بناء تراكمي شاركت فيه جميع الثقافات بعيداً عن العشوائية المعرفية.
فالتاريخ لم يكتب لأسباب علمية فقط، بل لإحداث عودة رجعية مع البيولوجيا الاجتماعية وادعاء الفروق العرقية ووضع مقاييس نهائية للثقافات المتقدمة ووصف الثقافات الأخرى بأنها بدائية والكثير من الألفاظ التي تعج بها كتب التاريخ وإسقاطها على الآخر المختلف، أو من يرغبون في السيطرة عليه وتحديد دروب ومحطات مرور شعلة العلوم والتقدم الثقافي من بلاد ما بين النهرين ومصر إلى اليونان إلى روما لأوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة الأميركية، والغرب يدرس تلك الحضارات على أنها حضارات غربية وفصلها عن موقعها الجغرافي وترك فجوات واسعة مع ذكر الحضارة الإسلامية والصينية والهندية في أمثلة مختلفة تضرب، ولكن لا تؤخذ تلك الحضارات مأخذ الجد، ومساوية في وجهة نظرهم للحضارات الأساسية في البناء الإنساني والعنصرية الغربية تقابلها عنصرية هندية وصينية وعربية وإسلامية ومسيحية…الخ، في وصف التاريخ وتجاهل العثور على العلوم المتقدمة، والفن، أو الهندسة المعمارية في أفريقيا أو أميركا الجنوبية على سبيل المثال، ووصف الحضارة الهيلينية الإغريقية والرومانية والأوروبية والأميركية على أنها الحضارة الغربية، ولكن عندما يرجع الأمر بالحضارة الفرعونية على سبيل المثال من المستحيل أن تذكر على أنها حضارة أفريقية، والأمثلة لا تعد ولا تحصى في التحيز والنظرة العنصرية البغيضة الضيقة في كتابة التاريخ من جميع الشعوب بلا استثناء ووصف شعوب بعينها على أنها ناقصة من الناحية الثقافية والمعرفية والمجتمعية والرياضية .
ولكن لماذا يُكتب التاريخ؟ ومن يكتبُه؟ ففي الحقيقة قد تساعدنا قراءة التاريخ في الوصول لفهم أفضل لوجودنا البشري على هذا الكون، وفي الاستفادة من دروس الماضي، وأخذ العبر وعدم تكرار الهفوات نفسها مع محاولة تقليد ما هو ناجح بالإضافة إلى تعزيز هوية الشعوب وإحساسها بقيمتها في الوجود، وبالتالي رفع مستوى تقدير الذات لدى الأشخاص وأعطاهم الكثير من الثقة والفخر بماضيهم وتحفيز رغبتهم في الحفاظ على ما تحقق من بناء وقيم ومنجزات تاريخية وإعطائهم دافعاً معنوياً ونفسياً كبيراً لإضافة الجديد من الإنجازات، ليضاف لذلك التاريخ، وهو يمثل أهم عناصر ومكونات الهوية القومية للشعوب.
كتابة التاريخ لا تخلو من التأثر برؤى ومعتقدات وانطباعات وأفكار مسبقة وأنماط ذهنية وسلوكية ونفسية تجعل المؤرخ في أغلب الحالات متحيزاً لدرجة ما مهما كانت ضآلتها، ويكون تدوينه للتاريخ بأسلوب سينمائي روائي شيق يجعله سلعة رائدة ومقبولة للقراءة في العصر الذي كتب فيه، وبما لا يخالف توجهات السلطة أو القوى المختلفة المهيمنة على الحياة السياسية الاجتماعية والمجتمع نفسه، فكتابة التاريخ تمنح المؤرخ فرصة لتقديم وجهة نظره الخاصة في سرد وتفسير التاريخ، في عملية وجدانية وذاتية لإقناع القارئ بحجه التاريخية وجذب أنوار الشهرة والخلود لحضارة ما دون سواها
يواجه تاريخنا الرياضي معضلة كبرى تتمثل في عدم وجود الغطاء الرسمي المتكفل بتدوينه في ظل عدم تصدي المدونين الثقاة والهواة للمهمة، وتباهي بعض مدعي التأريخ بين فينة وأخرى بمعلومات مغلوطة غلبتها العاطفة، وطغى عليها الميول، ولذا وفي ظل خلو الساحة من المؤهلين بات كل يدلي بدلوه ويدعي معرفته بالتاريخ الرياضي، و»مرة تصيب ومرة تخيب» .. التاريخ أمانة لا يدرك أهميته إلا المؤمنون به ..
في ظل عدم الاهتمام بتأريخ وتوثيق المجال الرياضي في وطننا العربي منذ القدم وحتى اللحظة، لا نستطيع تحديد المخول لكتابة التأريخ الرياضي، لأن هناك أفرادًا من المجتمع تطوعوا للعمل في هذا المجال وسط غياب دور المؤسسات الرياضية. هذا لا يعيب الشخص الذي تطوع بل العيب في المؤسسات الرياضية”. ووضعيتنا تختلف عن وضعية أوروبا والأمريكيتين الجنوبية والشمالية أو شرق آسيا، فهناك بدأت عملية التأريخ والتوثيق من خلال أفراد ثم تحولت سريعاً إلى عمل مؤسسات. أما نحن، وعلى الرغم من قصر عمر الرياضة في وطننا العربي، فلا يوجد اهتمام مؤسسي في هذا الجانب، بالتالي لا يزال من يقوم بهذا العمل أشخاص من أفراد المجتمع.
والمؤرخ الحقيقي لابد أن يكتب تفاصيل الأحداث الدقيقة بالتوقيت والمكان والدقيقة، هذا هو المعاصر الذي يكسب ثقة الناس، أما المؤرخ المصنوع فهو الذي يكتفي بذكر نتائج المباريات فقط وهو ما يؤكد عدم معايشته لتلك الأحداث،
و”المخولون بكتابة تاريخنا الرياضي بكامل إحداثه وجزيئاته ووقائعه وتحولاته وإرهاصاته هم المتخصصون الأمناء الذين يملكون أدبيات وأدوات ومكونات وأخلاقيات فن كتابة التاريخ وليس التاريخ فقط..!! بل التاريخ الرياضي كفرع خصيب ومنهج علمي رصين له فلسفته ونظرياته ومقوماته واتجاهاته العلمية يتفرع من علم التاريخ العام. والمخولون بكتابة وصناعة تاريخنا الرياضي هم من يتمتعون بالمهارات العقلية واللغوية والعملية والمهنية في عالم التدوين والتوثيق في قالبه العلمي.. وينطلقون وبلياقة مهنية عالية في مضمار الضبط والتدوين والحفظ والتوثيق العلمي وفق رؤية واعية، وعمق معرفي، وأمانة مهنية، وحس تاريخي وبعد سوسيولوجي .. يسلط الأضواء على مساحات الإحداث والمواقف والمعلومات برؤية الإبعاد الزمنية بحلقاتها (الماضي والحاضر والمستقبل) .. باعتبار أن التاريخ هو وحدة زمنية وبناء غير متجانس في إحداثه وظواهره ومكوناته الزمنية والمكانية، وبالتالي فإن المخول او المؤرخ المستنير لا ينظر ان الماضي مات واندثر..!! ولكن ينظر له انه مازال يعيش الحاضر ويتصل بالمستقبل والتاريخ بعمق حضارته .. (معرفيا وثقافيا) يشجع التغيرات الاجتماعية المرغوبة التي تساهم في تحقيق التنمية داخل المجتمعات.
فأهم معايير المؤرخ الرياضي هي التدوين والتوثيق بكل أمانة بعيداً عن المجاملات والميول العاطفية
وفي ظل عدم الاهتمام بتأريخ وتوثيق المجال الرياضي في وطننا العربي منذ القدم وحتى اللحظة، لا نستطيع تحديد المخول لكتابة التأريخ الرياضي، لأن هناك أفراد من المجتمع تطوعوا للعمل في هذا المجال وسط غياب دور المؤسسات الرياضية. وهو أمر لا يعيب الشخص الذي تطوع بل العيب في المؤسسات الرياضية
في أوروبا وشرق آسيا، تكون الرياضة أحد أفرع المجال الاجتماعي ثم يتخصص فيها العالم. يقوم المؤرخ بالتعاون مع جهات معينة بالعمل على توثيق وتأريخ الرياضة. نحن لم نصل إلى هذه المرحلة بعد! لذا أرى شخصياً وفي الوضع الحالي أن المعايير التي يجب توافرها في المؤرخ الرياضي لدينا هي: الحيادية والمصداقية (في البحث والتحليل والسرد) ووضوح المصادر وتوثيقها، وطبعاً يجب أن يكون مؤهل علمياً وعملياً لهذا العمل”.
، لابد للمؤرخ أن يكون قد عايش الفترة التي يكتب عنها، وأتقبل من المؤرخ أن يذكر مثلاً ١٠ في المئة من الأحداث التي سمع عنها، لكن للأسف هنالك مؤرخون لم يعايشوا ٨٠ في المئة من الأحداث التي يكتبوا عنها وهذا خطأ”. المؤرخ الذي لا يملك في حقيبته التوثيقية التاريخية .. الأدوات المهنية وأصولها الضبطية من “حس وفكر ووعي وأمانة وحيادية وتخصص وعمق ثقافي ومصادر أولية وثانوية” .. لا يستحق أن نمنحه لقب المؤرخ ..!! ومع الأسف كثر في مجتمعنا الرياضي من يكتب التاريخ حسب أهوائه وميوله وسرد معلوماته بكل كذب وافتراء وتجني .. والتاريخ أمانة والعبث في معلوماته خيانة!”. “الأزدواجية في كتابة التاريخ الرياضي قد تفضي إلى التنافس في صحة الأقوال ودقة المعلومات وبالتالي تضعف الثقة لدى المتلقي الذي يعتريه الشك في مصداقية المصادر.
ان ثقافة نسيجنا الرياضي وتركيبته المعقدة لا تؤمن بأهمية التاريخ الرياضي وتدوينه كما ينبغي كأي ظاهرة من مظاهر الحياة المجتمعية .. وفق الأصالة الفكرية والمعايير الضبطية والاتجاهات العلمية وبالتالي تظهر لغة (الازدواجية) وإرهاصاتها كنتاج طبيعي لعدم إيماننا أن التاريخ كعملية إنتاج لممارسة ثقافية واجتماعية تقوم على تصورات وافتراضات تفصح عن نفسها بدلا من ان تختبئ عن عيون القراء.. وتقوم أيضا بتحليل وفهم للإحداث التاريخية بمنهج وصفي يسجل ما مضى من وقائع وأحداث ويحللها ويفسرها على أسس علمية صارمة وصادقة وضابطة.
عندما نصل إلى درجة من الوعي التاريخي والحس المهني .. والهرولة في مضمار الحيادية والموضوعية بلياقة أكثر” فكرا وعلما وإدراكا بقيمة المعلومة التاريخية وأهميتها المعيارية في البناء الرياضي” .. ساعتها ستصبح (الذاتية) ومكروباتها في ميدان كتابة التاريخ .. في خانة النوادر..!!!”.
أولا يجب أن تكون هناك منهجية واضحة عند كتابة التأريخ، بمعنى وضع الأسس الثابتة والأهداف لعملية كتابة التاريخ،
ثانياً يجب الاعتماد على المصادر الموثوقة،
ثالثاً يجب اتباع الاجراءات المتبعة في عملية البحث والدراسة، بمعنى تحديد التاريخ والمكان والاشخاص والمناسبة وأحداثها،
رابعاً في حالة وجود معلومة غير صحيحة لدى المؤرخ، فلا يجب أن يستمر في ترويجها، فهناك بعض الباحثين أو المؤرخين يشعرون بالخزي أو العار عندما يكتشف أن معلومة زميله هي الصحيحة ومعلومته ليست كذلك!”.

107