صوتنا في الجنوب: ثبات وولاء

سليمان العيديلم تكْن الرحَّلة التي قُمت بها إلى المدن الجنوبية لبلادنا الغالية إلا رحلة لمست من خلالها تلك العيون اليقظة النَّابهة التي لم تَعْد مجرد مدن تجارية أو سوق عُمالّيه تمسي فيها حياة الناس راكدة بعد مشْوار يوم طويل طويل، بل إنني توقفّتُ في عدة مناطق في الجنوب، فمنذ هبوط الطائرة في مطار أبها صحبني شيخ كبير في السّن، مؤكداً لي أننا ولله الحمد بخير، وجنودنا أبشرك بأنهم على خير ما يرام، وسترى بعينك إن صَحْبتني هناك.
كانت بلا شك دعوة مفتوحة أجبرني حبّي لوطني وولائي لأرضي على المضي معه، فعزمت أمري على عمل جدول زمني يمكنني من زيارة إخواني على الحد الجنوبي، وفعلاً أعطيت نفسي حرية التحرك عبر خط الجنوب من أبها إلى خميس مشيط، ثم ظهران الجنوب حتى نجران، إلى أنْ وقفت على باب مسجد الشهيد بنجران، والتقيت إخوتي هناك، وقدمت واجب العزاء في والدهم الذي لقي ربه في يوم خَتمه بالصوم في بيت من بيوت الله عز وجل. حاولت أن أتخيل كيف تغَرْبُ شمس ذلك اليوم على أهالينا في نجران وظهران الجنوب ونقاط الحد الجنوبي، وكيف يُمضي الأبطال ليَاليهم عيوناً ساهرةً على جبهات حدودنا مع اليمن الشقيق الذي حاول الحوثيون والمخلوع صالح وزمُرة الملالي الذين أُسقط في أيديهم تحقيق أحلامهم، وحاولوا العبث فرد الله كيدهم في نحورهم.
إن كل مواطن في هذه المدن التي توقفت فيها يستشعر قيمة الوطن، ويدرك أهمية حراسة الحدود. التقيت أحد المزارعين في مزرعته على الجبال فقال بقلب ممتلئ بالإيمان: “والله إنني أثق بنصر الله تعالى لجنودنا البواسل، ونحن وإياك على بُعد عشرات الكيلومترات من حدّنا مع اليمن، وتشاهدنا جميعاً في مزارعنا إذا وجبت الصلاة تفرغت للدعاء لهم، ونحن في أمان ورغد عيش أحمد الله على ذلك، أعَّز الله هذه البلاد وأهلها”.
مواطن آخر في ظهران الجنوب وعلى مقربة من المركز الذي يستقبلك وأنت متجّه إلى سراة عبيدة استأذنتُ منه لأسأله: كيف حالك وأنت تقضي يومك هنا؟ فرد بصوت كله ثقة: “أقسم بالله أن هذه البلاد آمنة مطمئنة تحت قيادة واعية بتوفيق من الله عز وجل”. تحّدث إليَّ بفطرة سليمة وقلب ينبض بالحب للوطن ولقيادته، وقال: “أمضي نهاري في تجارتي وليلي في دعائي لهؤلاء الأبطال من أبناء وطني”. تذكرت معها كلمات فرسان بالنهار وعُبّاد بالليل، هذا ابن عمي وذاك قريبي وزوج ابنتي ودعته بابتسامة ودعاء أن يعينهم ويسددهم، ثم غربت علي الشمس في أحد رفيدة والقرى حولها وظهرت نجوم لامعة فسألت نفسي: أيُّ إخلاص يتمتع به أبناؤنا في الجنوب؟ أي إيمان يغمر قلوب جنودنا الذين يمضون أيامهم ولياليهم الباردة؟ إنه حب الوطن الذي توحدت عليه قلوب أبنائه في جميع مناطق هذه المملكة الغالية، لكنها الصورة التي أمضيت معها ثلاث ليال في رحلة للجنوب بصحبة أحد أبنائها الشيخ محسن بن محمد بن كُعْبان، شاب همام يصف لي هذا الطريق أو ذاك حتى عدت إلى خميس مشيط، تلك المدينة التي تموُج بالتجارة والحركة ومثلها أبها وما حولها، وكأنَّ قيادة هذه البلاد تريد أن تقول لشَعْبها: نحمد الله على هذا الأمن، ونحمد الله على هذه النهضة التي لم تُثنها حركةٌ حوثيهٌ بغيضهٌ، وستظّل ثغورنا وحدودنا آمنةً ما دام فيها قلب معلق بالله، مؤمن بعقيدته، وفيّ لقيادته وحبه لوطنه، وصوته ثبات وولاء.

سليمان العيدي

103