الفهيد: سقطت الورقة 32.. لكن الورقة 33 حية ترزق

(1)
كتب لي وكأن به مسّ من الألم:
“البارحة، سقطت الورقة 32 من غصن عمري الذي أجهل كم تبقى من أوراق تتشبث به ..

– سقطت الورقة تتهادى بسلام، لا تكترث بمفارقة الجسد الخائر بالوحدة، والمعتزل عن الطمأنينة بسيدة ترشق جذعه بقطرات حياة، فتروي جذوره حتى تُصلّي أعاليه للرب أزهارا يانعة ..

– تهادت الورقة 32 سريعا، لتشارك غيرها أفراحا وحسرات، وتزيدني نضجا عمليا، ومراهقة روحية، وكهولة بمسؤوليات إخوتي .. دون أن يكون لها نصيب، رغم أنها معقودة به.

– البارحة شاركتني العاصمة الرياض بالتفاعل مع عامي المنصرم قبل ساعات، فتحول ضجيج المصابيح إلى هدوء يسكن الكثير من جنباتها وشوارعها .. لا أعلم هل تقول لي أنها نهاية الظلمة، فخذ ما تبقى منها وأبدأ من جديد، أم أنها تقول: تذكر هذه الكالحة حتى لا تفرح بغيرها .. ولكن ما عند الله خير وأبقى.

– عندما تكالب العقربان على غرس شوكتيهما في جسد الساعة 12 والأخيرة من عامي 32، أحسست أني احلّق بعيداً، ليس في السماء، ولكن في مكبّ السنوات الخوالي ابحث عن الجيد لأنتصر لعمري الفائت، واقلّب بين أوراق الشباب ووريقات المراهقة وبتلات الصبا والطفولة .. أشياء جميلة، وأخرى كالماء بلا لون أو طعم أو رائحة، وثالث الجماعات وريقات تجعدت لتواري كثيرا من الفشل وعدم التوفيق.

– في الوقت الذي بدأ سم العقربين يسري في جسد 12، كنت بين نقيضين، هالة من الأحلام والطموحات تطير فوق رأسي كمشهد كرتوني يكبر مع مرور الأيام .. لا كثير منها يسقط أرضا ويتحقق واقعا .. ولكن جلها يتقلّب في ذاكرتي ليل نهار .. كثير منها قتله القِدم وعدم الجدوى من ظهوره حقيقة فطار إلى السماء هاربا من سجن مؤلم.

– ماتت الساعة الأخيرة وفتح الستار على مشهد جديد، رسالتان فقط من خارج المملكة .. تذكرت هذه الساعة، ومنبه جوالي القديم يحقن ذاكرتي بالموعد، وصمت مطبق من أهل بيتي وأصدقائي حتى هي .. نعم هي .. غابت مع النصيب، ولا عذر لهم جميعا ..

– كل عام وأنا بخير .. كل عام وأنا اقطف من هالة الأحلام والطموحات واقعا معاشا .. في الرسالتين كانت الأولى “أين هديتي؟!” .. والثانية، نبشت الماضي وجعلتني أتمدد بسلام إلى جوار الثانية عشرة ميتا حتى الساعة السادسة لأستيقظ وجميع الساعات تقول: اليوم مثل الأمس لا فرق إلا أنك كبرت عاما ..

– أنا كبرت .. وهي “أسيرة النصيب”.
(2)
فكتبت له، وكأن بي مسٌّ من الأمل:
“يا لهذا الحزن المكين .. يا لهذا التقدم الحزين .. يا لهذا الوجع المبين .. ما زال في العمر متسع يا رجل، ليبقى طعم التوت عالقاً في حلقك .. ما زال الوقت باكراً على مغادرة الحفلة.

– كل ما في الأمر .. أنك خائف فقط، خائف من أن تتعب بالقدر الذي يحرمك من مواصلة الرقص.

– ستتعب .. صدقني ستتعب .. لكن لن تنكسر ساقك، ولن يتأذى حتى أصبعك الصغير .. ربما تستريح قليلاً، لكنك لن تشيخ.

– كبرت عاماً آخر .. وما زلت في أول العمر، و”الأحلام” التي تراودها، هي الآن تتهيأ لجماع حلال، ستهمّ بها، وستهمّ بك، وستلمسها وتلمسك، ثم ستدخلان في بعضكما، وستنجب لك، ما لذ وطاب من الرضا.

– كبرت عاماً آخر .. لكنك ما زلت صغيراً بما يكفي لـ “تحب” وكأنك تفعلها لأول مرة!..

– لا تنزعج يا “صديقي” فالعمر الذي مضى .. سيجيء كاملاً محمولاً في قلب “أسيرة النصيب”، وفي قلبها ستكتشف أن العمر هو ما سيأتي .. لا الذي ذهب.

– كل عام .. وأنت تكبر، وقلبك يصغر
كل عام .. وأنت صديقي الذي أحب.

 

عن الرياضي

102