مهيوبي: سحقاً لهذا المنتخب في المونديال

أهمّ من الأهداف واللعب الجميل في مباريات المونديال التعليقات الهامشيّة المصاحبة لأكبر فعالية كرويّة في العالم، فبعد أن نال الحكم الياباني نيشيمورا حصته من السبّ واللعن الكرواتي، والثناء والمديح البرازيلي، وبعد أن ارتاح بلاتر قليلاً وانزعجت السيدة روسيف كثيراً، فإن هناك أشياء تحدث في زوايا مظلمة لها صلة بالمونديال، من بينها سبر آراء غريب قام به معهد يوغوف لمصلحة «نيويورك تايمز»، ويتمثّل في طرح سؤال واضح وصريح «ما هو المنتخب الذي تمنيت لو لم يكن مشاركاً في المونديال»؟ فجاءت النتائج متطابقة مع الخلفية التاريخية، والنزعة العنصرية، فأكثر من 7 في المئة من الفرنسيين قالوا: «الجزائر»، وهو جواب ينمّ عن احتقان استعماري، وترسبات ثقافية ممقوتة، لم يتخلص منها قطاع واسع من الفرنسيين الذين لم يقبلوا إلى اليوم استقلال الجزائر، وبالتالي فإنهم ينتقمون ولو من خلال سبر آراء حول حدث رياضي، يشكل فسحة لاجتماع شعوب العالم حول كرة لا يزيد وزنها عن رطل هواء.

الأمر ليس غريباً بالنسبة لنتيجة هذا الاستفتاء، لأن هناك من أراد الانتقاص من مشاركة محاربي الصحراء، فقال «الجزائر بمنتخب صنع في فرنسا»، ولكن الصحيح أن قلوب فيغولي وإبراهيمي وغولام جزائرية، تجري فيها دماء لم تتلطخ بمياه نهر السين. ثم إن فضيحة المحاصصة التي تمت مناقشتها على مستوى الإدارة الفنية للاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وتقليص حضور أبناء المهاجرين في فرنسا إلى 30 في المئة في مراكز التكوين، بحجة أن فرنسا تكوّن والمنتخبات الأخرى تستفيد. ومعروف أيضاً أن هناك مقولة شهيرة يتداولها الشارع الفرنسي مفادها «إذا سجّل زيدان فهو فرنسي، وإذا لم يسجّل فهو عربي أو جزائري».

وسبر الآراء هذا أيضاً، خلُص إلى أن الإنكليزيين والبرازيليين تمنوا لو لم يكن الأرجنتينيون حاضرين في المونديال، وقال اليونانيون: «سحقاً للألمان»، ولم يتأخر اليابانيون في التعبير عن امتعاضهم لوجود الكوريين الجنوبيين في المونديال.

وأعتقد أن الأمر لو استمر على معرفة من يكره الآخر، سيقول الأوكرانيون: «تباً للروس»، ويقول الأميركيون: «ليذهب الإيرانيون إلى الجحيم»، ويقول الأفارقة: «سحقاً لفرنسا»، ويتنابز الإسبانيون والبرتغاليون، ويطلع صوت من الحبشة متمنياً سقوط إيطاليا. وتتحول الملاعب إلى سجال ظاهره السياسة وباطنه الحقد الذي استشرى في نفوس أجيال تدفع فاتورة تاريخ من الثأر والسيطرة.

ولعل أكثر المشاهد التي عبّرت عن هذه الشوفينية المقيتة، هي مباراة مونديال 1986 بين الأرجنتين وإنكلترا، ومباراة 1998 بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن مظهر اللاعبين على البساط كان أكثر تحضراًَ مما يجري على صفحات الصحف وغليان المقاهي والشوارع.

بعضهم يقول إن هذا جزء من متعة كرة القدم، لكن المتعة في الدقائق الـ90، لكن أن يأتي يمنيون متطرّفون يطالبون بمنع احتفال الجالية الجزائرية في شوارع باريس بانتصار منتخبها، وهو ما نأمله، وحظر رفع الأعلام الجزائرية ومعها أعلام البلدان العربية المتضامنة، فهذا يعني أن 7 في المئة من الذين ذكرهم سبر الآراء يمثلون الوجه البارز من جبل الجليد، لأنّ الغالبية الصامتة، مع صعود الجبهة الوطنية اليمينية، سترفع النسبة إلى ما لا يقل عن 70 في المئة، وهو الرقم الذي سيتحطم بين أقدام تايدر ومحرز ومجّاني.

مقالة للكاتب عزالدين ميهوبي عن جريدة الحياة

106