حمدان يكتب: البحث عن وظيفة!

العمل في الوسط الرياضي ليس وظيفة أو مصدر دخل أساسي؟ هذه الحقيقة الغائبة أو المغيبة عمن يعملون في المجال الرياضي لدينا هي من يؤخر ويضعف تطورنا وتقدمنا في هذا المجال.
للأسف هناك من يبحث عن الوظيفة في المجال الرياضي، والأصل هو العكس بمعنى أن تكون موظفا أو تاجرا وتحظى بشرف خدمة وطنك من خلال عضويات لجان واتحادات – مقابل مكافآت – تحقق فيها ذاتك وتقدم عصارة خبرتك للجهة التي اختارتك عضوا بها.
الجشع سيطر على عقول كثيرين، وأصبح همهم الأكبر العمل في الرياضة للبحث عن زيادة الدخل عوضا عن الحضور الإعلامي، وهذا من أسباب تردي نتائج منتخباتنا وضعف مشاركاتنا، بل وحتى حضور بعض أعضائنا في الاتحادات القارية والدولية أصبح ضعيفا لسيطرة المال على العقول والقلوب.
في نهاية عام 1993 وفي خضم استعداد منتخبنا الأول للمشاركة في كأس العالم (مونديال الولايات المتحدة) كنت أجري حوارات مع مدربي ومسؤولي المنتخبات التي تشارك منتخبنا في مجموعته، ومن بينهم مدرب المنتخب البلجيكي بول فان هيمست، وعند الاتصال به أبلغت أنه يجري عملية جراحية في الركبة، فأعتقدت للوهلة الأولى أنه مصاب في ركبته، لكنني اكتشفت أنه طبيب جراح متخصص في العظام، وأنه يمارس مهنته الوظيفية كطبيب في عدد محدد من أيام الأسبوع، ويمارس هوايته الرياضية التدريبية في أيام أخرى.
في مجال آخر، تحدثت إلى أحد الحكام الأجانب الذين يحضرون للمملكة ومن خلال سيرته الذاتية عرفت أنه رئيس لشركة كبرى متخصصة في التقنية، فسألته لماذا تشغل نفسك بكرة القدم وأنت مدير شركة كبرى، فقال أمارس هوايتي المحببة إلى نفسي، وهي تحكيم كرة القدم وأجد في نفسي القدرة على العطاء وخدمة بلادي وخدمة اللعبة، فقلت له هذا أمر يحتاج إلى متابعة وجهد بدني وعقلي؟ فقال هنا تكمن المتعة، وهو أخذ الأمر بجدية ورغبة داخلية دون ضغوط أو التزامات تفرضها ظروف الوظيفة، أنا هنا استمتع بالقراءة والمراجعة والبحث عن تطوير ذاتي وتقديم نفسي بالشكل الذي يجعلني ناجحا ومطلوبا.
في المثالين السابقين نقطة نظام لما يحدث لدينا للأسف حتى إنني أتذكر تصريحا لأحد المسؤولين في دورة التضامن الإسلامي التي أقيمت قبل عدة سنوات في المملكة، حيث تم الإعلان عن حاجة اللجنة المنظمة لعدد من المتطوعين للبطولة، وكان السؤال الأول من المتطوعين “كم الراتب”!، بينما شارك في دورة الألعاب الأولمبية في بكين أكثر من 100 ألف متطوع مباشر، وأكثر من 400 ألف متطوع في خدمات المسابقات دون مقابل خدمة لبلادهم وتحقيق ذاتهم وإشباع رغباتهم الشخصية.
المال مهم جدا، وهو عصب الحياة، لكن العمل الرياضي في أساسه قائم على إشباع رغبات معينة حتى وإن دخل عليه التنظيم والاحتراف والاستثمار، لكنه في الأخير أمر محبب للنفس والنجاح فيه هو حلم لكثيرين، وهو دائما يتعلق بالرغبة وليست الحاجة، ولذلك الإبداع والمتعة والجاذبية فيه أكثر من غيره من التخصصات التي تتعلق بحاجة الفرد والمجتمع.

مقالة للكاتب علي حمدان عن جريدة الوطن

104