الفروسية حيثُ المدينة الفاضلة!

– لطالما كانت الفروسية رياضة الأخلاق ولطالما كان لقب “فارس” لقباً شرفيّاً يٌلقّب به من وصل بأخلاقه ذروة النُبل والشرف ، لذلك فقد كان الفارس أحق الناس بالدفاع عن صورة هذا اللقب التي بذل فيها الفرسان قبله جهدهم عبر العصور في كل الحضارات ، إذ كان لزاماً عليه أن يتمثّل بجميع الأخلاق الكريمة ليكون أهلاً لهذا اللقب.

– لا يُمكنُ بأي حالٍ من الأحوال للفارس أن يضع أخلاقه جانباً سواء أكان ذالك في ميدان المنافسة أو خارجه ، فإن الفروسية لا تكون على ظهور الجياد فقط ، إنما هي ممارسات سلوكيّة تُلازم روح الفارس قبل جسده.

مهما احتدمت حدّة النِزال مع أعتى الخصوم وأشدهم عداوة فإنهُ على الفارس أن يُبقي نزالهُ ضمن إطار الشرف، حتى وإن كانت عاقبة ذلك هي الخسارة، فإن الفارس الحقيقي يعلم جيداً أن الخسارة النزيهة أشرف من انتصارٍ لا يعبق برائحة الأخلاق!

– الفارس هو بشرٌ يُصيب ويُخطِئ ، وتغلبه نفسه أحياناً ، لكنه مُختلف عن البقية مُنذ قرر أن يكون سفيراً للأخلاق أمام نفسه وأمام البشريّة بأسرها ، لذلك فإنه يتحمل مسؤوليةً ليس من المسموح لحاملها أن يستريح منها ، لا أحد يطلب منه أن يُحاول بأن يكون مثالياً مُعظم الوقت ، بل إنهُ مُطالبٌ بأن يكون مثالياً طوال الوقت !

– في المجتمع الفروسي -حيث يُمكن لأفلاطون أن يبني مدينه- فإن الجميع نسيجٌ واحد ، بالطبع لا يعني هذا بأن جميع أفراده يعيشون في حالة من الوئام التام ، فالعِداء موجودٌ أيضاً ، لكن تلك الأخلاق التي تحكم أفراد هذا النسيج تصنع هالةً من الرقي الذي لا يسمح لما هو دونها بأن يتسلل إلى أعماقه ، وفي حال حصل ذلك فإنه سُرعان ما يُفضح أمره ويشير إليه الجميع بالبنان ، ويُقابلوه بالرفض والاستنكار.

– المشاحنات والتعصبات و الأحزاب التي قد تنشأ بسببٍ كان أو بدون سبب لا تليق بمجتمع الفرسان ، على الفارس الحقيقي أن يترفّع عنها إذ أن ارتكابها ليس سوى خرقاً لقوانين الفروسية ، ومن يخرق القوانين يصبح شاء أم لم يشأ خارج اللعبة!

– إن كل مُجتمعٍ طبيعي يتكون من طبقاتٍ اجتماعية لا يُمكن إلغاء أيٍ منها وإلا فإن توازنه سوف يختل ، وكأي مجتمع طبيعي فإن أفراد كل طبقة لا يُغادرونها لأعلى منها إلا عبر طريقين أولهما شرعي من خلال تطوير الفرد نفسه ، فيكون انتقاله لطبقةٍ أعلى استحقاقاً له ، أما الطريق الأخرى فمن خلال محاولته التسلق ، وفي الحقيقة لم يسبق لأحد في المجتمع الفروسي أن سلك الطريق الثاني إلا وأن أمضى حياته في التسلق والوقوع مراراً وتكراراً.

– قد يحظى بعض الفرسان بفرصٍ تُعجّل من خُطاهم في مسيرتهم الفروسية ، وقد يُثير ذلك غيظ البعض ، بل وقد يدفعهم لارتكاب مشاعر بإمكانها أن تؤدي بهم لخرق قوانين النُبل الفروسي ، وتخرجهم من دائرة الفرسان ، إلاّ أن ما على الجميع معرفته بأنه وفي مجتمعٍ دستوره الأخلاق أن الفرص لا تُستحدث من العدم ، إنما تكون نتيجةً لحديثٍ يطول شرحه عن التضحيات ، والبذل ، والوفاء للعهد الفروسي.

الفارس بدر الفرد

Twitter : alfard_bader

108