سلطان الزايدي : كنتُ أظنُّ ..!!

سلطان الزايدينظر إلى ساعته ثم التفت إلى مساعده وأخبره بأمرٍ ما، لم يكن الأمر واضحاً لي… لكن الرجل كان متجهِّماً، ينظر لساعته بشكلٍ ملفتٍ، عجزت حينها أن أفهم ماذا به، ولماذا كلُّ هذا الضجر؟ اقتربت منه وسألته ما بك يا (كوتش)؟ مالي أراك على هذا الحال؟!

أدار وجهه للجهة الأخرى وقال بلغته: لا شيء، زاد فضولي وتطفلي، فأنا لا أخلو من هذا العيب شئتُ أم أبيتُ، تكرر سؤالي على مسامعه، أفصح لي يا (كوتش) ما بك؟ لعلي أكون عوناً لك.. التفت إليَّ وقال: حسناً أنت تبحث عن جوابٍ، وأنا سأجيبك بكلِّ صراحةٍ، لكن فليكن صدرك رحباً ويحتمل ما سأقوله، ولا تغضب، فالأمر يتعلَّق بحياتكم وبرنامجكم اليومي، وكيف تقضون وقتكم في بلدكم، قلت له: لك هذا، قل وأسهب في القول، ثم قال: عندما أتيت لهذه البلد كنت أعتقد أنَّ الوضع لديكم أصبح مختلفاً، وأنَّ الكرة العالمية بكلِّ ظروفها قد انتقلت لملاعبكم، وأنَّ حياة الرياضي المحترف أضحت سمةً من سمات رياضتكم، فأنتم سفراء العرب في المونديالات، وأنتم مَن اخترتم أن تكونوا مختلفين، هذا ما كنت أعتقده فعلاً..!

عندما قررت أن أخوض تجربتي الأولى في الخليج، لم أدَّع المثالية أمامك ولم أصور لك شخصية البطل المنقذ…(لا)، أنا حضرت إلى هنا من أجل المال هذا صحيح!، لكن أيضاً أنا مدرِّبٌ لي اسمي، وتاريخي يعرفه العالم بأسره، منذ أن كنت لاعباً حتى أصبحت مدرباً، أنتم يا صديقي لا تعيشون أجواءً رياضيةً سليمةً تساعد على النجاح، ومحترفوكم هم محترفو مالٍ فقط، لا يستطيعون أن يتقمَّصوا دور المحترف المتكامل ولو بعد حين؛ لأسبابٍ كثيرةٍ من أهمها: البدايات لم تكن بالشكل الصحيح، والتأسيس لم يكن جيداً، ومن المؤسف أن نشاهد هذا الكمَّ الكبير من المواهب بهذا الاستهتار..!

أقولها لك بصدقٍ، واعذرني إن كان فيما أقول ما يزعجك: أنتم تحبون مَن يقول لكم أحسنتم، وتكرهون مَن يقول الحقيقة، والحقيقة التي أجدها وأشاهدها أنَّ بلدكم تعجُّ بالمواهب، لكن مستوى العناية والمتابعة وطريقة صقل تلك المواهب ضعيف ولا يرتقي إلى إمكانياتكم، لهذا كنت أنظر لساعتي، وأتمتم لمساعدي وأقول له: لا يمكن لنا إصلاح أي شيءٍ في هذا الوقت، فهؤلاء الناس لا ينتظرون على مدربيهم، وشبح الإقالة يطارد أي مدرِّبٍ يحضر إلى هنا؛ لذلك دعنا نتعامل مع الوضع كما هو، نهتم بالجانب الفني، ونترك الجوانب الأخرى لهم، هم أكثر درايةٍ بمواهبهم.

ثم أردف قائلاً: سأمكثُ هنا حتى صدور قرار إقالتي، وسيلاحقني إعلامكم بسؤاله المعتاد: مَن أعجبك من اللاعبين في الدوري السعودي، ويستحق أن يذهب معك حيث تذهب؟ وأنا على يقينٍ أنني سأذكر إجابةً تتوافق مع إجابات كلِّ مَن سبقوني، لكنَّ النتيجة ستبقى ثابتةً لن تتغير…! ولو كان هناك بصيص أملٍ في التغير كنا شاهدنا بوادرها على أرض الواقع!.

سيبقى لاعبكم المدلل كما هو، يبدأ هنا، وينتهي ها هنا.! طالما أفكاركم لم تتغير، وأسلوب حياتكم لم يطرأ عليه أي تعديلٍ، أنتم نتاج ثقافةٍ انتهى زمنها، ولو بقيتم كما أنتم ستجدون أنفسكم ذات يومٍ خارج حسابات العالم في هذا المجال.

افهم حديثي جيداً، وانقله على لساني لـمَن يعنيه الأمر، انهضوا بأنفسكم، وسيروا بالطريق الصحيحة حيث التغيير والتطوير، حتى تصلون إلى المكان الذي يتناسب مع كلِّ ما يتوفَّر لكم من إمكانيات ولا يتوفر لغيركم، لو فعلتم ذلك حتماً ستصلون، وسينظر لكم العالم بكلِّ ثقةٍ واحترامٍ، لستم ضعفاءً أو قليلي حيلةٍ، وتملكون كلَّ أدوات التفوق في كلِّ الاتجاهات، ثقوا بأنفسكم وتعلَّموا من تجارب غيركم، فالعالم رحبٌ يتَّسع للجميع بشرط أن تكونوا في مستوى المنافسة.

توقَّف الرجل عن الحديث للحظةٍ، وأدخل يديه في سترته، وعضَّ على شفتيه، وقال بلغته: (أنا غاضبٌ)، وإن استمر الحديث بيننا في هذا الشأن سأنفعل أكثر، فهل تمضي في شأنك وتتركني؟

ابتسمت له وقلت: على رسلك يا (كوتش)، أهل الشأن لم يغضبوا من حالهم، فهوِّن عليك، ستقبض منهم ما جئت من أجله، وسيستمعون لنصحك، ثم ترحل، وهم سيعودون لذات المربع. الآن يا صديقي سأتركك وأمضي، لكن أريدك أن تفهم شيئاً واحداً: ليس في حديثك ما يجعلني أغضب منك، فالحقيقة لا تُغضب العقلاء… إلى اللقاء.

سلطان الزايدي

Zaidi161@hotmail.com

104