أكشن والإعلام الشعبوي

سلطان الزايدييتردَّد على مسامعنا بشكلٍ مستمرٍّ عبارةٌ نشطةٌ من لسان بعض نجوم السينما في مصر (المخرج عاوز كده). ولو نظرنا لواقعيَّة هذه العبارة ومرَّرناها على كلِّ مواد الإعلام، ستجدها قريبةً بنسبةٍ كبيرةٍ للواقع، فالإعلام المرئي هو جزءٌ من هذه العبارة، وبقليلٍ من التوضيح والتمحيص، ستجد أنَّ المقارنة بين نجوم التمثيل وبعض البرامج الحوارية، فيما يذهبون له من وحي هذه الجملة، سيلتقون في النهاية على مدى قوة الإثارة والجدل، وأي مخرجٍ أو مُنفِّذٍ لبرنامجٍ معيَّنٍ أو فيلمٍ سينمائي يبحث عن نسبة مشاهدةٍ كبيرةٍ، وهذا الأمر بالنسبة له هو النجاح والمقياس الحقيقي في نسبة المتابعة، فهو يدرك جيداً أنَّه في خضمِّ منافسةٍ شرسةٍ لا تقبل الهدوء، إما أن تصنع اسماً يكثر رواجه في المجتمع، أو أن تبتعد بكلِّ ما تملك من أدواتٍ فنيَّةٍ وذهنيَّةٍ وتقنيةٍ عن المشهد برمَّته، وتبحث عن فكرةٍ أخرى، خصوصاً أنّ الأفكار الإبداعية في البرامج التلفزيونية لم تعد بتلك الغزارة، والـمُشاهد لا يعنيه من البرامج الحوارية سوى ما يشدُّه من إثارةٍ وصخبٍ، وهذا لن يتحقق إلا من خلال مادةٍ إعلاميةٍ صحافيةٍ مناسبةٍ يكثر حولها الجدل والنقاش غير المنتهي، مع احتفاظ الجميع بوجهة نظره، وهذا الأمر سيكون انعكاسه على المشاهد إيجابيّاً بالنسبة للبرنامج، ومن ثم للمحطة الناقلة لهذا البرنامج.

والأمثلة في هذا الشأن كثيرةٌ، فعلى سبيل المثال نشرت إحدى الصحف العربية خبراً على محطة (سي إن إن) يتضمن: “نيتها في إيقاف برنامج المذيع الإنجليزي بيرس مورغان بعد ثلاثة أعوام فقط من بدايته”؛ لأنَّ البرنامج لم يحقق نسبة المشاهدة المطلوبة، وليس بمقدوره منافسة البرامج الحوارية التي تبثُّ في الوقت ذاته على محطاتٍ منافسةٍ، هذا المثال يؤكِّد أنَّ القاعدة الأساسية في البرامج التلفزيونية والحوارية بالذات، قد تلغي كلَّ شيءٍ، ولا يعني لها أن يحافظ البرنامج على المبادئ الصحافية العريقة، طالما أنها لن تقدم له النجاح المطلوب، ولن تستطيع أن تجعله يفي بالتزاماته المالية تجاه العاملين بالقناة أو البرنامج.

وفي تصوُّري أنَّ المراهنة على مثل هذه المبادئ والأعراف الصحافية لن يكون ذا فائدةٍ، في ظلِّ هذا التطور التقني والمعلوماتي، فلغة المال هي الأقوى، وحتى يتحقق الربح الوفير من المال فالخيارات قد تكون محدودةً جداً، وبالتأكيد ستكون بعيدةً عن الأسلوب النمطي المعتاد المحكوم بمبادئ معينةٍ.

إنَّ الإعلام الرياضي هو جزءٌ من هذا المفهوم العام للإعلام في كل العالم، ولا يمكن عزله بأي حالٍ من الأحوال، فالبرامج الرياضية المتلفزة تسير على ذات النهج والسياق، وتنظر لنجاحها من خلال قوة استمرارها في المنافسة، فالعدد الكبير من البرامج الحوارية الكثيرة التي تشهدها منطقة الخليج، وتتجه ببوصلتها للأحداث الرياضية السعودية تفرض على الجميع أن يكونوا في مستوى المنافسة، وتحقق نسب مشاهدةٍ عاليةٍ، وفق الإدارة المعنية بتنظيم هذا البرنامج من إعدادٍ وتقديمٍ وإخراجٍ. هذه العناصر هي الإطار العام للبرنامج، وهي أدواتٌ مساعدةٌ للنجاح، لكنَّ النجاح الحقيقي وفق ما يحدث من منافسةٍ هو القدرة على بثِّ حواراتٍ مليئةٍ بالصخب والإثارة والصدام الإيديولوجي، الذي يصل في أوقاتٍ كثيرةٍ إلى الهجوم والتجريح الشخصي، كما يحدث مع بعض ضيوف برنامج “أكشن يا دوري”، والذي يقدِّمه وليد الفراج، وهو يدرك جيداً، وأعني هنا مقدِّم البرنامج (وليد الفراج)، أنَّ ما يقدمه ليس صحافةً حقيقيةً، لو أخذنا بكل مفاهيم الصحافة وتعريفاتها، إلا أنَّ الأخ وليد يعلم يقيناً أنَّ الإعلام الحديث، وبالتحديد البرامج الحوارية نجاحها يعتمد في المقام الأول على أنماطٍ معينةٍ من الإعلام، وقد يكون الإعلام الشعبوي هو ما يريده الفراج؛ لنجاح برنامجه الذي يُعرض على قناةٍ تجاريَّةٍ، بالكاد تكون متابعةً قبل أن يقدِّم من خلالها برنامجه “أكشن يا دوري”، فاليوم تُعتبر هذه المحطة من المحطات الناجحة كمحطةٍ من ضمن مجموعة محطات الـ (إم بي سي).

واليوم لا يمكن بعد أن تغيَّر الفكر في إعلامنا الرياضي، وأصبح يفكِّر بطريقةٍ مختلفةٍ يهدف للنجاح فقط دون النظر لأيِّ اعتباراتٍ أخرى، مهما بلغت أهميتها. والحصيف الرزين مَن يأخذ المفيد، ويبتعد عن الغثِّ مهما بلغ سمنه؛ حتى يحتفظ لنفسه بالتوازن الذهني المرتبط بالعاطفة دون أن يدخل في جدلياتٍ، تجعل منه الخاسر الأكبر في سياسة الإعلام الشعبوي.

ودمتم بخير

سلطان الزايدي

Zaidi161@hotmail.com

108